آخر تحديث :الثلاثاء-26 مايو 2026-12:02ص

الغربة الأخيرة للشيخ البيحاني: كيف استقبلت تعز "كفيف البصر وبصير القلب"؟

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 05:49 م
نبيل احمد الرياشي

​بعد أن تعرضت حياة الداعية الإسلامي الكبير، الإمام محمد بن سالم بن حسين البيحاني للخطر، ومصادرة منزله والمقار الدينية التي كان يديرها في عدن، كانت مدينة تعز هي الوجهة التي حلّ فيها عزيزاً مكرماً في بداية السبعينيات حتى وافاه الأجل، رحمه الله.

​حيث قُدمت له الرعاية الكاملة منذ وصوله نظراً لمكانته العالية كأحد رموز وقادة الحركة الدينية في جنوب الوطن، وايضا مراعاةً لكبر سنه وعجزه وفقدانه للبصر.وقد سارع رجل الخير الراحل هايل سعيد أنعم إلى القيام بالواجب، فكان أول المرحبين بقدوم البيحاني، وأحسن وفادته وضيافته، وتابع وصوله وقدومه إلى تعز بسلامة الله.فقد كان الحاج هايل، الذي استقر به المقام والعمل التجاري في تعز، على اطلاع دائم بتطورات الأوضاع في جنوب الوطن التي أعقبت نيل الاستقلال وتفعيل قانون التأميم.

​ولعل الحفاوة التي وجدها البيحاني في تعز بددت قليلاً من كمية الأسى والمرارة التي عاشها في نفسه، وهو يرى مكتبته الزاخرة قد أُتلفت، والصروح الدينية التي أنشأها قد أُغلقت وصودرت، في الوقت الذي لم يتعرض له فيه أحدٌ بسوء أثناء فترة الاحتلال البريطاني.

​فقد شكلت فترة ما بعد الاستقلال المنعطف الأخطر في حياة حركه النضال التي بدأها الأحرار، خاصة بعد احتدام الاقتتال الداخلي الموجع بين طرفي الكفاح: (جبهة التحرير) وحليفتها في المقاومة (الجبهة القومية)، التي تسيدت المشهد لاحقاً وتبنت آلية لشؤون الحكم وفق رؤيتها، كطرح قانون التأميم عام 1969م، الذي جرى النظر فيه عقب تحقيق مسار الوحدة اليمنية عام 1990م والمساعي التي بذلت حينها لاستعادة الحقوق وتقديم التعويضات للمتضررين.


​البيحاني، المولود في "قصاب" بيحان بمحافظة شبوة عام 1908م، تلقى علومه الدينية في قريته، ثم قصد تريم بحضرموت عام 1916م، وتزود بعلوم الدين واللغة العربية الفصحى. انتقل إلى عدن عام 1928م ولازم المشايخ وأهل العلم، كما تسنى له الدراسة في الأزهر الشريف بالقاهرة واول يمني يعتلي منبره، وهناك التقى بالزبيري والنعمان وغيرهم من الأحرار، وأعلنوا تصديهم للظلم والطغيان.

​عاد إلى الوطن لإكمال مشواره، وزار العديد من الدول، حيث كان محل ترحيب كبير لدى الاخرين ومحل ثقه لدى فاعلي الخير. أعاد إحياء "جامع العسقلاني" الذي تولى شؤونه خطيباً وإماماً منذ العام 1949م حتى تعرضت حياته للخطر عام 1969م. كما أسس الجمعية الإسلامية للتربية والتعليم عام 1950م، ثم المعهد العلمي الإسلامي، أو ما يُعرف اليوم بـ (ثانوية البيحاني النموذجية)، وغيرها من المشاريع الخيرية.

​ويُعد الإمام البيحاني من كبار العلماء مكانةً، لتفرده في علوم الدين والتفسير والحديث والسيرة والفقه واللغة والافتاء، وأيضاً الشعر؛ فقد وهب نفسه لدينه ومجتمعه، متمتعاً بالبصيرة الإيمانية منذ طفولته بعد أن فقد بصره وهو في السادسة من عمره.

​له العديد من المؤلفات القيمة، نذكر منها: (إصلاح المجتمع)، (عبادة ودين)، (كيف نعبد الله)، (العطر اليماني في شعر البيحاني)، (تحفة رمضان)، (بلدة طيبة ورب غفور)، (أطيب الكلام عن سيرة سيد الأنام)، و(الفقه البسيط) وغيرهم الكثير.

​توفاه الله وهو في شوقٍ إلى عدن وإلى تلاميذه، حيث قال في ذلك:

أحنُّ إليكِ يا عدنَ المعالي .. ومالي لا أحنُّ وألفُ مالي

أحنُّ إليكِ والأنفاسُ حرّى .. ونارُ الحبِّ تُطْفأُ بالوصالِ

​لقد كان يراوده الشوق أن يختم أيامه في مسجده العسقلاني بكريتر، أو في منزله المجاور للجامع، ويُدفن هناك، إلا أن الأقدار شاءت أن يوارى جثمانه في غير المكان الذي كان يصبو إليه. وتكريماً للفقيد، تم مواراة جثمانه في مقبرة جامع الملك المظفر بتعز عام 1972م.

​رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.