في أزمنةٍ تتسارع فيها التحوّلات، وتختلط فيها المواقف بين مصلحةٍ آنيةٍ ومبدأٍ راسخ، تبرز أسماءٌ قليلة استطاعت أن تحافظ على ثباتها، وأن تظل وفيّةً لواجبها مهما كانت الظروف. ومن بين هذه الأسماء، يبرز العميد محمد علي بن قصقوص الجريري، بوصفه نموذجًا للرجل الذي لم تغيّره المتغيرات، ولم تزعزعه تقلبات الواقع.
لم يكن حضور الجريري مرتبطًا بظرفٍ عابر أو مكسبٍ مؤقت، بل كان دائمًا حيث يجب أن يكون؛ في الصفوف الأولى عندما تشتد التحديات التي تواجه حضرموت، وفي مواقع المسؤولية حين يتراجع البعض أو يختار الصمت. لم يبحث عن الأضواء، ولم يسعَ إلى التصفيق، بل جعل من العمل الميداني والالتزام الصادق طريقًا له، فكان أداؤه شاهدًا على إخلاصه.
لقد مرّت حضرموت بمحطات صعبة، احتاجت فيها إلى رجالٍ يحملون همّها بصدق، ويقفون في وجه التحديات بثباتٍ وشجاعة. وفي تلك اللحظات، لم يكن الجريري غائبًا، بل كان حاضرًا بمواقفه، مساندًا لأمنها واستقرارها، مؤمنًا بأن المسؤولية لا تُقاس بالكلام، بل بالفعل والتضحية.
ورغم هذا العطاء، يظل التساؤل قائمًا: هل نال هذا الرجل ما يستحقه من تقدير؟
الواقع يشير إلى أن حجم ما قدّمه أكبر بكثير من حجم ما مُنح له من تكريم، وهذه ليست حالة فردية، بل تعكس خللًا في ميزان الإنصاف، حيث يُهمل أحيانًا من يعمل بصمت، ويُسلّط الضوء على من يجيد الظهور.
إن تكريم الشخصيات الصادقة ليس ترفًا، بل هو واجب أخلاقي ومجتمعي، لأنه يعزز قيم الوفاء، ويمنح الأجيال القادمة نماذج يُحتذى بها. والعميد محمد علي بن قصقوص الجريري هو أحد هذه النماذج التي تستحق أن تُروى سيرتها، وأن يُنصف عطاؤها.
في النهاية، قد تغيب شهادات التكريم، لكن التاريخ لا ينسى، وحضرموت التي شهدت مواقفه ستبقى شاهدة على رجلٍ اختار الثبات طريقًا، فاستحق أن يُذكر في زمنٍ قلّ فيه الثابتون.
كتبه /حماده عمر كرامة الثعيني
