آخر تحديث :الثلاثاء-16 يونيو 2026-09:50م

انصفوا الكفاءات المتخصصين

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 02:16 م
محمد بدر


(( لم يخسر يوماً المتخصص عمله المهني الوطن هو الخاسر دائماً ))

عبارة موجعة لكنها حقيقية. حين يهمّش الوطن كفاءاته، ويقصي المتخصصين، ويستبدلهم بأهل الولاء والثقة، فإن الخسارة لا تقع على ذلك الطبيب أو المهندس أو الخبير. هو سيجد فرصته في مكان آخر. الخسارة الحقيقية يدفعها الوطن وحده.


*أولاً: المتخصص يملك زاده*


المتخصص الحقيقي سلاحه علمه وخبرته. هذا الرصيد لا يمكن مصادرته بقرار إداري ولا بإقصاء سياسي. الطبيب الذي أُبعد من مستشفاه ستستقبله مستشفيات العالم. المهندس الذي هُمّش في بلده ستتخطفه الشركات الكبرى. الأستاذ الجامعي الذي ضُيّق عليه سيجد جامعة تقدر علمه.


هو لم يخسر مهنته. شهادته معه، وخبرته في عقله، وسمعته تسبقه. المنفى بالنسبة له قد يكون بداية جديدة، وحياة كريمة، وتقدير افتقده في وطنه.


*ثانياً: الوطن هو من يدفع الفاتورة*


1. *خسارة العقول نزيف لا يتوقف*: كل متخصص يهاجر هو استثمار ضائع. الدولة صرفت عليه في التعليم والتأهيل سنوات طويلة، وحين جاء وقت الحصاد أهدته لغيرها مجاناً. نحن نبني لغيرنا، ونستورد الفشل لنا.

2. *انهيار المؤسسات*: عندما يحل الولاء محل الكفاءة، تتحول الوزارة إلى مكتب علاقات عامة، والمستشفى إلى غرفة انتظار للموت، والجامعة إلى مكان لتوزيع الشهادات. لا يبني الأوطان إلا أهل الاختصاص. أما أهل الثقة وحدهم فينتجون الخراب المنظم.

3. *تراكم الفشل*: غياب المتخصص يعني قرارات خاطئة، مشاريع متعثرة، خدمات منهارة. المواطن هو من يدفع الثمن من صحته وتعليمه وقوت يومه. الوطن يخسر سمعته، ويخسر موارده، ويخسر مستقبله.


*ثالثاً: لماذا يحدث هذا في اليمن؟*


لأننا استبدلنا معيار "ماذا تعرف" بمعيار "من تعرف". لأن المحاصصة قتلت المهنية. لأن الولاء للجماعة صار أهم من الولاء للوطن. لأننا نتعامل مع المنصب كغنيمة توزع على الأتباع، لا كمسؤولية تحتاج صاحبها المؤهل.


كم من كفاءة يمنية تدير اليوم أكبر المستشفيات في الخليج وأوروبا؟ كم من مهندس يمني يبني ناطحات السحاب في العالم بينما مدننا تنهار؟ كم من خبير يمني يقدم الاستشارات للدول بينما وزاراتنا عاجزة عن إعداد خطة؟


هؤلاء لم يخسروا. نحن الذين خسرنا.


*رابعاً: ما هو الحل؟*


الحل يبدأ بقرار شجاع: أن نعيد الاعتبار للكفاءة. أن يكون معيار التعيين هو: هل هذا الشخص هو الأقدر على خدمة الناس في هذا الموقع؟ وليس: هل هذا الشخص من جماعتنا؟


أن نفتح الباب للمتخصصين، ونحميهم من تدخلات الفاسدين، ونمنحهم الصلاحيات، ونحاسبهم على النتائج. أن نقول للطبيب: مكانك غرفة العمليات لا تهميش الإدارة. وللمهندس: مكانك الموقع لا أرشيف الوزارة. وللمعلم: مكانك الفصل لا طوابير البطالة.


الوطن الذي يحترم عقوله لا يحتاج أن يستجدي المساعدات. العقول هي الثروة الحقيقية. وهي التي تصنع الفرق بين دولة فاشلة ودولة ناهضة.


*الخلاصة*


كل متخصص هاجر أو هُمّش هو جرس إنذار. يقول لنا بصوت عالٍ: أنتم تخسرون، ولست أنا.


إن أردنا إنقاذ اليمن، فالطريق يبدأ من هنا. من إعادة الثقة بين الدولة وكفاءاتها. من إيقاف نزيف العقول. من الإيمان أن بناء الأوطان مهنة، وأن للمهنة أهلها.


غير ذلك سنظل ندور في نفس الدائرة. نخسر كل يوم، ونحن نظن أننا انتصرنا بإقصاء هذا أو ذاك. والحقيقة أننا لم نهزم إلا أنفسنا.


المتخصص سيعيش. السؤال: هل سيعيش الوطن إذا استمر في معاداة أبنائه؟