آخر تحديث :الثلاثاء-05 مايو 2026-10:46م

إيرادات بالملايين… ورواتب على الهامش

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 08:12 م
أحمد أمين المقطري

بقلم: أحمد أمين المقطري
- ارشيف الكاتب


في قلب مؤسسات الدولة التي تعتمد عليها المالية العامة، يقف عشرات المتعاقدين في المرافق الإيرادية على خط التماس اليومي مع المجتمع، يحملون على عاتقهم مهمة تحصيل الموارد التي تُبنى عليها الموازنات، وتُموّل بها الخدمات، وتُدار بها عجلة الدولة. ورغم هذا الدور الحساس والمباشر، يعيش هؤلاء في مفارقة قاسية: إيرادات بالملايين تمر عبر أيديهم، بينما رواتبهم لا تكاد تتجاوز 25 ألف ريال، في زمن أصبحت فيه أبسط متطلبات الحياة أكبر من قدرة هذا الرقم الهزيل.

هذه ليست حالة فردية أو استثناءً عابرًا، بل واقع ممتد لسنوات طويلة، بل لعقود لدى البعض، حيث يواصل المتعاقدون أداء أعمالهم دون تثبيت وظيفي، ودون استقرار، ودون أي أفق واضح لمستقبلهم المهني. ربع قرن من الخدمة لدى بعضهم لم يكن كافيًا ليمنحهم صفة رسمية، أو يضمن لهم حقًا بديهيًا كالأمان الوظيفي.

المفارقة لا تقف عند حدود الراتب، بل تمتد إلى غياب التأمين الصحي، وهو حق أساسي لأي موظف، خصوصًا لمن يعمل في ظروف ميدانية تتطلب احتكاكًا يوميًا مع الناس، وتنقلًا مستمرًا، وضغوطًا نفسية ومهنية عالية. أن يواجه المتعاقد المرض بقدراته المحدودة، دون أي غطاء صحي، فهذا يعني ببساطة أن الدولة التي يستنزف جهده لصالحها لا تعترف حتى بحقه في العلاج.

المتعاقدون في هذه المرافق ليسوا مجرد أرقام في كشوفات مالية، بل هم العمود الفقري لعملية التحصيل، وهم الحلقة التي تربط المواطن بالخزينة العامة. بدونهم تتعطل الإيرادات، ويختل النظام المالي، وتضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. ومع ذلك، يتم التعامل معهم كفئة هامشية، يمكن تأجيل حقوقها، أو تجاهل مطالبها، أو تركها رهينة للوعود.

السؤال الجوهري هنا: كيف يمكن لمن يرفد الدولة بالإيرادات أن يُحرم من أبسط حقوقه؟ وكيف يُطلب من موظف أن يكون حريصًا على المال العام، وهو يشعر بأن حقه الشخصي مهدر؟ العدالة الوظيفية ليست ترفًا إداريًا، بل هي شرط أساسي للاستقرار المؤسسي، وأحد أهم عوامل تحسين الأداء وتعزيز الانتماء.

الاستمرار في هذا النهج لا يهدد فقط هذه الفئة، بل ينعكس على كفاءة النظام المالي بأكمله. الموظف الذي يشعر بالإنصاف يكون أكثر التزامًا، وأكثر دقة، وأكثر حرصًا على أداء واجبه. أما حين يغيب العدل، فإن الدافع يتآكل، ويحل مكانه الإحباط، وربما اللامبالاة، وهي أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة تعتمد على النزاهة والانضباط.

إنصاف المتعاقدين لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة ملحّة تتطلب قرارات شجاعة تبدأ بتثبيتهم وظيفيًا، أو على الأقل تحسين أوضاعهم المعيشية بما يتناسب مع طبيعة عملهم، إلى جانب توفير التأمين الصحي الذي يحفظ كرامتهم الإنسانية.

القضية في جوهرها ليست مجرد مطالب مالية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام الجهات المعنية بمبادئ العدالة، وقدرتها على الاعتراف بجهود من يعملون في صمت منذ سنوات طويلة. هؤلاء لا يطلبون امتيازات، بل حقوقًا مشروعة تأخرت كثيرًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى سيظل من يحملون على أكتافهم جزءًا مهمًا من اقتصاد الدولة خارج دائرة الإنصاف؟ وهل آن الأوان لقرار يعيد التوازن إلى هذه المعادلة المختلة؟