آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-11:47م

الثورة التي أكلت أبناءها ..

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 08:32 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


حسين علي باهميل


لم تكن الثورات يوماً صنيعة العسكر، ولا ولدت من فوهات البنادق، بل خرجت أولاً من عقول المثقفين والمفكرين، من أولئك الذين حلموا بالحرية، وصاغوا الوعي، وحرّكوا الشعوب من سباتها.


لكن المأساة تتكرر…

في اللحظة التي تنجح فيها الثورة، يتراجع أصحاب الفكرة، ويتقدم أصحاب القوة.


في الجنوب، لم يكن الأمر استثناءً، بل نموذجاً صارخاً.

المثقفون الذين نظّروا، والمفكرون الذين دفعوا الوعي إلى الأمام، كانوا أول الضحايا.


تم نفي وأقصى شخصيات مثل قحطان الشعبي والأصنج وعبدالقوي مكاوي و محمد علي هيثم وغيرهم كثير. الذين

واغتيل آخرون، وتعرض البعض للإخفاء القسري، وكأن الثورة انقلبت على نفسها، أو بالأحرى: تم الانقلاب عليها.


لماذا؟


لأن الفكرة هُزمت أمام “الملشنة”.


حين تتحول الثورة من مشروع وعي إلى مشروع سلاح، تصبح القيادة لمن يحمل البندقية، لا لمن يحمل الفكرة.

وحين يُختزل الوطن في تشكيل مسلح، يصبح الاختلاف خيانة، والرأي الآخر تهديداً يجب تصفيته.


تفجير طائرة الدبلوماسيين، واغتيال شخصيات بحجم فيصل عبد اللطيف الشعبي، لم تكن أحداثاً معزولة، بل كانت نتائج طبيعية لمسار بدأ بشعار، وانتهى بثقافة.


“ثورة ثورة لا إصلاح”

هذا الشعار لم يكن مجرد هتاف… بل كان لعنة.


لأنه ألغى فكرة التدرج، وشيطن الإصلاح، وفتح الباب أمام العنف كخيار وحيد.

ومن يومها، لم تعد الثورة وسيلة لبناء الدولة، بل أصبحت أداة لهدم كل شيء، بما في ذلك أبناؤها.


المشكلة لم تتوقف عند تلك المرحلة، بل استمرت كفكرة حاكمة.

فكرة أن القوة تسبق الدولة، وأن المليشيا يمكن أن تكون بديلاً للمؤسسة، وأن السلاح أصدق من الفكر.


وهنا تكمن الكارثة.


لأن أي مجتمع تُقصى فيه النخب، ويُستبدل فيه المثقف بالمقاتل، محكوم عليه أن يعيد إنتاج الفوضى، مهما تغيّرت الشعارات.


اليوم، ونحن نرى تكرار نفس الأنماط، يجب أن نمتلك الشجاعة لنقول:

لم تكن المشكلة فقط في من استولى على الثورة…

بل في الفكرة التي سمحت له بذلك .