آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-11:44م

بين “الإنجاز الأمني” و”بناء الرواية”: قراءة في بيان أمن عدن حول اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر.

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 09:07 م
عمر الحار

بقلم: عمر الحار
- ارشيف الكاتب


البيان الصادر عن إدارة أمن العاصمة عدن بشأن جريمة اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إعلان نتائج تحقيق أولية، بل هو نص مركّب يجمع بين ثلاثة أدوار في آن واحد: عرض إنجاز أمني، وصياغة سردية تحقيق، وإدارة للرأي العام في قضية شديدة الحساسية.

هذه الطبيعة المركّبة هي ما يجعل التعامل معه يحتاج قدراً عالياً من التمييز بين “ما تم إثباته” و”ما يتم توجيه الجمهور للاعتقاد به”.

أولاً: ما يظهر في السطح… تحرك أمني سريع وملموس

من حيث الشكل الإجرائي، يقدم البيان مجموعة خطوات تبدو مهمة:

القبض على أربعة متهمين

ضبط سيارة يُعتقد أنها استُخدمت في الجريمة

ضبط سلاح مرتبط بالقضية

تنفيذ عمليات ضبط في أكثر من مديرية ومحافظة

هذه العناصر، في حد ذاتها، تعكس تحركاً أمنياً نشطاً وسريع الاستجابة، وهو أمر لا يمكن التقليل من أهميته في جريمة بحجم اغتيال شخصية تربوية معروفة.

لكن التحدي الصحفي يبدأ من هنا تحديداً: هل هذه الوقائع وحدها كافية لرسم الصورة الكاملة للقضية؟ الجواب: لا.

ثانياً: الانتقال من “جريمة” إلى “خلية”… أين تبدأ الرواية؟

أكثر ما يلفت الانتباه في البيان ليس عدد المعتقلين أو الأدوات المضبوطة، بل اللغة المستخدمة لوصف طبيعة الجريمة.

فالبيان لا يكتفي بتوصيف حادثة اغتيال، بل ينتقل مباشرة إلى الحديث عن:

“خلية إجرامية منظمة”

“ارتباطات بخلايا أخرى”

“استهداف دعاة وأئمة”

هنا يتحول النص من تقرير إخباري إلى بناء سردية أمنية أوسع.

وهذا التحول مهم صحفياً لأنه يرفع القضية من إطارها الجنائي الفردي إلى إطار “تهديد منظم”، وهو إطار له تبعات كبيرة على مستوى الرأي العام، وعلى مستوى الإجراءات الأمنية اللاحقة.

لكن في المقابل، هذا النوع من التصنيف في البيانات الأولية يظل توصيفاً تحقيقياً غير مكتمل، لأنه لم يُدعَّم بعد بأدلة منشورة أو محاكمة قضائية أو تفاصيل فنية واضحة يمكن للجمهور التحقق منها.

ثالثاً: ما بين التحقيق وإدارة الجمهور

اللافت في البيان أيضاً ليس فقط ما يقوله، بل كيف يقوله.

فهو يستخدم لغة كثيفة من نوع:

“تقدم ملموس”

“عمل استخباراتي دقيق”

“عمليات نوعية”

“تكامل الجهود”

هذه ليست لغة محايدة تماماً، بل لغة تحمل وظيفة واضحة: تعزيز الثقة في الأداء الأمني وإظهار السيطرة على الموقف.

وفي المقابل، يخصص البيان مساحة للتحذير من تداول معلومات غير رسمية، مع الإشارة إلى أنها قد “تعرقل التحقيق”.

هذه النقطة تحديداً تكشف جانباً مهماً: وجود حساسية عالية من تعدد الروايات، ومحاولة واضحة لضبط المجال الإعلامي حول القضية في هذه المرحلة المبكرة.

رابعاً: ما الذي لا يقوله البيان… وهو الأهم صحفياً

في أي قراءة صحفية دقيقة، لا يقل ما يُحذف أهمية عما يُذكر.

البيان لم يوضح:

تفاصيل طريقة تنفيذ الاغتيال

الأدلة التقنية التي قادت للاعتقالات

طبيعة العلاقة بين المتهمين الأربعة

الدافع المباشر للجريمة

تسلسل زمني دقيق للأحداث

غياب هذه التفاصيل لا يعني بالضرورة عدم وجودها، لكنه يعني أن ما تم الإعلان عنه حتى الآن هو “إطار عام للتحقيق” وليس ملفاً قضائياً مكتمل الأركان.

خامساً: بين احتمالين… ولا يقين حتى الآن

من زاوية تحليلية بحتة، يمكن فهم البيان ضمن احتمالين:

الأول: أن هناك فعلاً بنية تنظيمية حقيقية بدأت تتكشف تدريجياً عبر التحقيقات، وأن ما نراه هو بداية تفكيك شبكة أوسع.

الثاني: أن التحقيق يجمع خيوطاً متعددة حول مشتبهين مرتبطين بشكل غير متساوٍ، ثم يعاد تنظيمها داخل إطار “خلية واحدة” لتسهيل فهم القضية أمنياً وإعلامياً.

لا توجد حتى الآن معطيات منشورة كافية لحسم أي من الاحتمالين.

خاتمة: بين الحقيقة الأولية والحقيقة النهائية

القيمة الحقيقية لهذا البيان لا تكمن في كونه إعلاناً للنتائج، بل في كونه “نقطة بداية لرواية رسمية قيد التشكل”.

وفي قضايا الاغتيالات ذات الحساسية العالية، غالباً ما تمر الرواية الرسمية بثلاث مراحل:

إعلان اعتقالات أولية

توسيع إطار القضية إلى شبكة أو خلية

تثبيت النتائج بعد اكتمال التحقيقات أو المحاكمات

والبيان الحالي يبدو أنه يقع بين المرحلة الأولى والثانية.

لذلك، التعامل معه صحفياً يتطلب التوازن بين أمرين:

عدم إنكار وجود تحرك أمني فعلي

وعدم القفز إلى استنتاجات نهائية قبل اكتمال الصورة بالأدلة المنشورة

في النهاية، تبقى الحقيقة في مثل هذه القضايا ليست ما يُقال أولاً، بل ما يُثبت لاحقاً.

وفي ختام هذا البيان، فإن ما ورد فيه لا يعكس إنجازًا أمنيًا بقدر ما يكشف عن خلل عميق في بنية العمل الأمني، حين يتم الزج بالأجهزة المختصة في مسارات تخدم أجندات سياسية وجهوية على حساب المهنية والحياد. إن كشف ما سُمّي بـ"أبطال الرواية الأمنية" بهذه الطريقة يثير تساؤلات جدية حول استقلالية القرار الأمني، ويضع علامات استفهام كبيرة حول مصداقية ما تم الإعلان عنه. فهل يُراد من هذا الطرح تبرئة سجل مثقل بالتجاوزات، أم محاولة إعادة تقديم الذات تحت غطاء إنجاز مرحلي؟ إن مثل هذه القضايا الحساسة تستوجب جهات أمنية متخصصة ومحايدة، تعمل وفق القانون والمعايير المهنية، بعيدًا عن التوظيف السياسي، وبما يضمن تحقيق العدالة وكشف الحقيقة كاملة دون انتقائية أو توجيه.

واليمن، و أجهزتها الامنية في مختلف المراحل تمتلك سجل حافل وتاريخ عريق في القدرة على تضليل و مغالطة الرأي العام الذي عادة ما ينخدع بمثل هذه الروايات، ويصبح ضحية لها.