الخضرة الواحات والأشجار معانٍ خاصة عند الإنسان فهي ترمز للحياة والتجدد، ولم يعط لشجرة من الأهمية ومن المعاني والتقديس كما أعطيت للنخلة فقد " كانت النخلة شجرة الساميين المقدسة" ، ولها حضور مهم في المخيال الإنساني عامة والعربي خاصة ذلك أنها شمخت في أديم السرد العربي الحديث فعنون الأديب التونسي البشير خريف روايته بــ (الدقلة في عراجينها)، وسمّى الأديب السوداني الطيب صالح مجموعته القصصية (دومة ود حامد) قاصدا بها نخلة كان أهل قريته يعظمونها حتى كانت أو كادت أن تكون ذات أنواط العصر الحديث، وفي اليمن حازت مؤخرا رواية (نخلة وبيت) لعيدروس الدياني (2024) على أرفع جائزة في السرد اليمني وهي جائزة محمد عبدالولي للقصة والرواية (الدورة الأولى) ووفقا للجنة التحكيم وتقييمها أنها رواية تنطوي على جماليات سرد يلتمس بلاغته من أوجاع الواقع اليمني، وكانت النخلة عنوانا اختزاليا لمضمون الرواية ورمزيا.
وارتبطت النخلة بعديد الأساطير، فهي شجرة مباركة من أشجار الجنة هبطت مع آدم بطلبٍ منه، وفي هذا تتحدث المرويات عن سبب تسميتها بــ(النخلة) فقد جاء في بعض الأساطير أن الله" أمر الملائكة فوضعوا التراب الذي خلق منه آدم في المنخل فنخلوه، فما كان لُبابا صافيا أخذ لطينة آدم، وما بقي في المنخل خلق الله منه النخلة وبه سميت لأنها خُلقت من تراب بدن آدم" بعد نخله، وكان آدم عليه السلام يأنس بها في الجنة، ولما هبط إلى الأرض استوحش بمفارقتها وطاب من الله أن ينزل النخلة فغرسها آدم بعد ان انزلها الله في الأرض " ولما قربت وفاته أوصى الى ولده أن يضع معه في قبره(سعفة) منها فصارت سنة الى زمان عيسى؛ ثم اندرست فأحياها النبي وقال: إنها ترفع عذاب القبر ما دامت خضراء" ، وقد تبدو تلك الأسطورة تمثيلا واقعيا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم"
نقلت لنا السرديات الأسطورية العربية والسامية أسطورة العنقاء، بوصفها رمزا للخلود، والفناء والبقاء فطائر العنقاء بعد ان يعيش ألف سنة بالتمام، يطير الى طرابلس ويقوم بصنع عش عظيم متخذه على ثلاث نخلات ويبدأ من عشه الأخير بالغناء من منقاره ذي الألف ثقب بعدد سنين عمره، وكل ثقب من منقاره يعطي لنا نغمة ثم يتعاظم عزفه الى ان يصل مرحلة الذروة، لتنطلق منه شرارة تحرق العش والطائر فيستحيل إلى رماد يعاود منه طائر العنقاء القيامة مرة أخرى، وبهذا ترتبط قيامة هذا الطائر الأسطوري وخلوده بالنخلة.
ترتبط حكاية نخلة نجران كما أوردها ابن هشام برجل صالح نصراني يُدعى (فيميون) من الشام تتم على يديه المعجزات، وكان دوما شديد التخفي لورعه وزهده كثير الترحال حتى وصل إلى أرض العرب فاختطف وبيع في نجران" وأهل نجران يومئذ على دين العرب، يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم، لها عيد في كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحلي النساء، ثم خرجوا إليها، فعكفوا عليها يوما" ثم أن سيده شك في أمره لأنه رأى سراجا ينبعث من بيته الذي أسكنه فيه طوال الليل فاندهش ذلك الرجل وسأله عن دينه ليخبره به ليؤكد هذا الرجل الصالح (فيميون) أن أهل نجران على باطل وأن هذه النخلة لا تنفع ولا تضر، وأنه سيدعو الله ربه أن يهلكها، فأمره سيده ان يفعل على شرط أن يدخل هو وأهل نجران في النصرانية، " فقام فيميون فتطهر وصلى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله عليها ريحا فجفعتها من أصلها فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه" .
في المعجم السبئي الذي وضعه الفرد بستون alfard bistuwn وآخرون نجد توثيقا لــجذر (ن، خ، ل) نخل ونخيل" وتقود الدراسات للنقوش اليمنية القديمة والأبحاث إلى الاعتقاد أن ثمة اهتماما بالنخلة وتعظيما لها حد التقديس، ففي نقش من الدولة المعينية نجد إله الري ومانح الماء والحياة يتعهد برعاية النخيل" تعهد الإله عثتر يهرق نخيل ذو يدع" وتسجل النقوش المعينية الأخرى حديثا عن " استصلاح شجر النخيل في يوم ذي قدسية وهو أيضا يوم حج"
ويرى المستشرق روبتسن سميث rubtisin smith في محاضراته في ديانات الساميين أن عرب اليمن في جنوب الجزيرة العربية كانوا يقدسون النخلة وكانوا يرون أنها" تهب الحياة والصحة، وكان حجاجها يرجعون من حجهم وبصحبتهم بعض هذه المياه" وقد اتخذت الشعوب السامية من النخل زينة لهم في بيوتهم ومدنهم ومناسباتهم المختلفة الاجتماعية والتعبدية فقد" كان البابليون القدماء يزينون بوابات المدن وممرات المعابد وعرش الملك بالنخيل جريده وسعفه، ويعبدون إلهة النخيل، حيث يضعون على كتفيها جريدة وسعفه الكبير المتدلي بحيث تبدو ذات جناحين"
يتبع بإذن الله .... هذا مبحث من المقال العلمي الفائز بالجائزة الأولى في تونس 2025