انتظارٌ خلف آفاق الغياب
انطوت الأيام العشرة عجافاً، والديارُ موحشةٌ تنعي غياب رجالها الذين مضوا يضربون في مناكب الأرض بحثاً عن حبات "الذرة" التي تقيم أود الصغار. هناك، على عتبات الانتظار، كانت العيون تقتفي أثر كل مار، وتستنطق حتى الطير المحلق في كبد السماء: *"ألم تروا طيفاً لغائبٍ خلف هذه الجبال الشاهقة؟"*.
تساؤلاتٌ حائرة تخنق الأنفاس: هل سيعودون بزادٍ يكفي لأشهر القحط؟ لكن الإجابة كانت تقرأ في صمت الفراغ؛ فليس في جعبتهم سوى ظهورٍ عارية قد هدّها الكدح، وأكياس بالية لم تعد تقوى على حمل الكثير من الأمل.
أما النساء، فكنّ يخضن ملحمة البقاء بأيدٍ خشنت من قسوة الأيام، وعزائم لا يلين لها عود. وفي عتمة السحر، تسلل خرير الماء من تحت الأقدام المتعبة؛ فقد جادت السماء بقطراتها ليلاً، والجميع غارقٌ في نومٍ فرضه التعب والجوع.
مع انبلاج الفجر، بدأت ملامح الغبطة ترتسم على تلك الوجوه الكالحة، وجوهٌ نحتها الشقاء كأنما هي جذوع شجرٍ عتيق، صلبة في مظهرها، لكنها تخبئ تحت طياتها حنيناً جارفاً للحياة.
هرع الجميع نحو الغدير المنهمر، يغسلون وجوهاً لم تمسسها رطوبة الماء منذ شهورٍ طوال. ومع كل رشة ماء، كانت ملامحهم تتضح أكثر، كأنما ينبعثون من جديد من تحت ركام الغبار.
وفي الجهة الأخرى، بين ثنايا الجبال الساكنة، ظل الأطفال مرابطين، عيونهم معلقة بالأفق البعيد، ينتظرون عودة الأبطال الذين غادروا ليأتوا بالبشارة.
ومع احتضار قرص الشمس خلف القمم، لاحت من بعيد أشباحٌ قادمة، واختلطت أصوات البشائر بصرخات الترحيب، كأنما القرية تستقبل ضيفاً عزيزاً طال أمد غيابه. لقد عاد الرجال.. عادوا ولا يحملون معهم سوى أجسادهم الواهنة، وأرواحهم المثقلة بالتعب، وعرق جباههم الذي رصع نهاراتهم الطويلة.
كان اللقاء عهداً يتجدد، وعيداً يمسح مرارة الصبر، غير أن صمت الصغار كان أبلغ؛ فقد أرهقهم طول الانتظار، فاستسلموا لرقادٍ عميق قبل أن يدركوا أن "الأمان" قد عاد أخيراً إلى حضن الدار.