في لحظات الانكسار الكبرى لا تبحث الأمم عن قادة عاديين أو نخبة مثاليين وإنما تبحث عن ظواهر تاريخية تعيد تعريف الممكن وتكسر منطق التكرار وتتجاوز معجزة الإلهام وتؤسس لمرحلة ما فوق السياسة التقليدية.
ومن هذه الزاوية - تحديداً - قدم أحمد الشرع وبرز لا كـ قائد استثنائي فحسب، إنما كـ حالة تاريخية مركّبة يصعب إدراجها ضمن النماذج المعهودة في علم السياسة أو تجارب التحول.
والمسألة هنا ليست في شخص الرجل بقدر ما هي في السياق الذي أفرزه! فسوريا قبل ظهوره لم تكن دولة مأزومة فحسب، بل كانت مثالاً مكتملاً لانهيار متعدد المستويات:
-انهيار في البنية الصلبة للدولة
-تفكك في النسيج الاجتماعي
-تآكل في المعنى الرمزي للهوية الوطنية.
لقد تعرّضت البلاد إلى عملية طحن ممنهجة، لم تُبقِ على مؤسساتها ولا على توازناتها، حيث تحولت موجات الاحتجاج الشعبي إلى دورات عنف معكوسة، ينقلب فيها الفعل الثوري إلى أداة قمع مضاعف.
ومع امتداد الصراع توزّع المجتمع السوري بين المنافي القسرية والسجون المغلقة، والمقابر المفتوحة في واحدة من أعنف عمليات التفكيك التي شهدها التاريخ المعاصر.
في موازاة ذلك تشكّل مشهد معقد من الفاعلين تمثل في:
-قوى دولية متصارعة -مشاريع إقليمية متضادة
-ميليشيات عابرة للحدود
-تنظيمات أيديولوجية متناحرة.
وهنا تعددت الأجندات حتى تلاشى المركز وتكاثرت القوى حتى غاب الفاعل الوطني.
فلم يعد هناك "نظام" قادر على الحكم ولا "معارضة" قادرة على التغيير بل فراغ سياسي ممتد يستهلك ذاته وغيره.
وضمن هذا الفراغ سقطت كل الصيغ فقد فشلت السلطة في إعادة إنتاج شرعيتها وفشلت المعارضة في بناء بديل وتعطلت المبادرات الدولية وتآكلت الرهانات الاقليمية بل وبات المشهد أقرب إلى انسداد تاريخي شامل، حيث لا أفق للحل ولا قدرة على إعادة التوازن.
وهنا تحديداً يظهر "أحمد الشرع" بوصفه نتاج لحظة الانقطاع، لا امتداداً لما سبقها!
فلم يأتِ من داخل منظومة قائمة ولا كـ واجهة لمشروع دولي واضح ولا كـ امتداد لبنية عميقة أو موروث منقول وإنما ظهر كـ اختراق غير متوقع لمسار مغلق.
ومن خلال هذا تكمن فرادة الظاهرة.!
إن الرجل من حيث التأثير والقدرة على إعادة تشكيل المشهد ليتجاوز معايير القياس التقليدية. فالقضية ليست في إنجازات محددة بقدر ما هي في إعادة إنتاج المعنى ذاته وصناعة المبنى بـ ماهيته وكنهه:
حيث أصبح حضور الشرع بمثابة إعادة تعريف الفعل السياسي وإعادة بعث الروح في مجتمع أنهكته الحرب بل وإعادة فتح أفق كان يُظن أنه أُغلق نهائياً.
وهذا النمط من الحضور لا يمكن تفسيره فقط بأدوات التحليل السياسي الكلاسيكي، وإنما يمكن التعبير عنه بـ: "اللحظة المؤسسة"، حيث يتقاطع الفعل الفردي مع الحاجة التاريخية فينتج ما يشبه القفزة خارج النسق.
وبالنظر من منهج أكاديمي صارم لا بد من التمييز بين الخطاب والتوصيف:
فالتاريخ لا يُكتب بالانبهار بل بالتراكم ولا تُثبت الظواهر إلا بقدرتها على الاستمرار لا بمجرد لحظة الظهور.
ومع ذلك، فإن ما يمكن الجزم به هو أن ظهور هذه الشخصية في هذا التوقيت وبهذه الكيفية يمثل مؤشراً على تحوّل عميق في بنية المجال السياسي ليس السوري فحسب وإنما العالمي قبل الإقليمي.
إنه إعلان ضمني بأن الفراغات التاريخية لا تبقى فارغة طويلاً، وأن الانهيارات الكبرى كثيراً ما تُنتج فاعلين من خارج التوقع.
وهنا تتحول المسألة من سؤال "من هو أحمد الشرع؟" إلى سؤال أكثر عمقاً وهو:
ما الذي يجعل التاريخ في لحظة معينة يسمح بظهور هذا النوع من الفاعلين؟!
لكن السؤال الأشد إلحاحاً والأكثر حدة هو:
هل البيئة العربية بأنظمتها ونخبها قادرة على التقاط هذه اللحظة؟ أم أنها ستعيد إنتاج العجز ذاته الذي أطال أمد الانهيار؟!
وبأسلوب آخر:
هل ما زال في الفضاء العربي من يمتلك القدرة على الفعل؟ أم أننا أمام فراغ ينتظر من يملؤه أياً كان؟!
"يسأل آخر"
ليبقي السؤال:
أكو عرب؟!