في مطلع الخمسينيات، ظهر محمد مصدق في إيران، في لحظة تاريخية كانت فيها البلاد تبدو دولة مستقلة بالاسم فقط، نفطها تحت هيمنة الشركات البريطانية، وقرارها السياسي مرتهن للخارج، تؤدي أدوارًا وظيفية رسمته لها القوى الكبرى في الشرق الأوسط، لتكون بمثابة شرطي لحارسة المصالح الغربية في المنطقة.
أدرك مصدق مبكرًا أن بناء الدولة المستقلة يبدأ بامتلاك القرار الوطني، القائم على السيادة والاستقلال والتحرر الاقتصادي من الهيمنة الأجنبية. ومن هذا المنطلق، سعى مصدق إلى تقوية مؤسسات الدولة الدستورية، وعلى رأسها البرلمان، انطلاقًا من إيمانه بأن الدولة الحديثة لا تُبنى بالحكم الفردي، بل بمنظومة مؤسسات تحكمها الإرادة الوطنية.
كان قرار تأميم النفط عام 1951م أولى الخطوات الكبرى في مشروعه الوطني؛ لم يكن القرار اقتصاديًا فحسب، بل كان إعلانًا سياسيًا صريحًا لاستعادة القرار الإيراني من الهيمنة الخارجية، وكسر الدور الوظيفي الذي رُسم لإيران ضمن منظومة النفوذ الغربي ،غير أن هذا القرار اعتُبر في لندن وواشنطن تمردًا استراتيجيًا لا يمكن السماح به ، فبريطانيا رأت في تأميم النفط تهديدًا مباشرًا لمصالحها في المنطقه ، بينما اعتبرت الولايات المتحدة استمرار مصدق قد يفتح الباب أمام تمدد النفوذ السوفيتي في المنطقة، فكان الاتفاق على تنفيذ عملية انقلابية مشتركة عام 1953م، ( سبق تناوله في مقال في مقال الممرات المائية من إيزنهاور إلى ترامب ) أطاحت بحكومة مصدق وأسقطت مشروعه الوطني. وبسقوط مصدق، الذي لم يكن مجرد رئيس وزراء عابر في تاريخ إيران الحديث، سقط مشروع بناء الدولة الدستورية الحديثة في إيران، وعادت البلاد إلى الحكم الفردي المطلق بقيادة محمد رضا بهلوي، الذي مثّل بداية مرحلة جديدة انتقلت فيها إيران من محاولة تأسيس دولة وطنية مستقلة، إلى إعادة إنتاج دولة مرتبطة بالمصالح الغربية، بل تحولت إيران إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وقاعدة متقدمة لحماية النفوذ الغربي،
فجاءت ثورة الخميني عام 1979م تحت شعار إسقاط التبعية وبناء الاستقلال ظاهراً إلا أنها أفضت إلى نموذج آخر من احتكار الدولة، حيث انتقلت إيران من حكم الشاه إلى نظام ولاية الفقيه، ومن سلطة التاج إلى سلطة العمامة، ومن مركزية القصر إلى مركزية المؤسسة الدينية، فلم تعد الدولة هي المرجعية العليا، بل أصبحت ولاية الفقيه فوق الدولة، وأصبح المشروع السياسي محكومًا بعقيدة التوسع الوظيفي تحت غطاء أيديولوجي جديد، فتحولت إيران من مشروع دولة وطنية كان يحلم بها مصدق، إلى مشروع إقليمي عابر للحدود، تديره ولاية الفقيه بمنطق النفوذ لا بمنطق الدولة. لم يكن الصراع في
إيراني يومًا ما مجرد صراع بين ملكية وجمهورية، أو بين الشاه والخميني، بل بين مشروع دولة وطنية مستقلة القرار ، متحرر من الهيمنة الأجنبيه ومشروع دوله وظيفية في فلك المصالح الغربيه، تتغير أدواتها وتبقى وظيفتها.
سقط مصدق، وسقط معه حلم الدولة في إيران.