آخر تحديث :الجمعة-01 مايو 2026-10:49م

التحالف العربي في اليمن ووعد عرقوب

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 06:45 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في الذاكرة العربية، يظل "عرقوب" رمزاً للمماطلة التي تقتل الأمل؛ ذاك الذي وعد أخاه بثمر النخلة صيفاً، فما إن أثمرت حتى جناها ليلاً ولم يعطه شيئاً، واليوم، ونحن نرقب المشهد اليمني في مطلع عام 2026، يبدو أن الجغرافيا السياسية لليمن قد تحولت إلى "نخلة عرقوب" كبرى، حيث سُقيت بوعود "إعادة الأمل" و"قطع دابر المد الإيراني"، ليجد اليمني نفسه في نهاية المطاف محاصراً بين مطرقة الميليشيا وسندان الحليف. لقد انطلق التحالف العربي قبل سنوات تحت لافتة "الاستجابة لنداء الجار"، وحمل معه وعوداً براقة بإعادة الدولة المختطفة وتأمين السيادة، وكانت الوعود تقطع بأن صنعاء على بعد "قاب قوسين أو أدنى" من التحرير، لكن مع مرور الوقت، استبدل التحالف استراتيجية "الحسم" بسياسة "التنقيط"، محولاً الجبهات إلى خطوط تماس جامدة، والقوى الوطنية إلى فصائل متنافرة، كأنما المراد هو إبقاء اليمن في حالة "موت سريري" لا يشفى فينتصب، ولا يموت فيستريح.

إن المفارقة المؤلمة في هذا المشهد هي عملية "التدجين" الممنهجة للقوى السياسية المناهضة للحوثي، حيث استُنزفت هذه القوى سياسياً وعسكرياً، وجُرّدت من مخالبها الوطنية لتُلبس "الرداء الإقليمي"، وصار القرار اليمني يُطبخ في غرف مغلقة بعيدة عن تطلعات الداخل، وأصبحت القيادات التي تملك إرث بناء الدولة مجرد "موظفين" ينتظرون الإذن بالتنفس. هذه "السعودة" للقرار لم تكن لتمكين الشرعية، بل لاحتوائها، لضمان ألا تخرج أي قوة يمنية عن "المرسوم الإقليمي" الذي يضع أمن الجوار فوق وجود الدولة اليمنية ذاتها. لقد وعد التحالف باستعادة الشرعية، لكن الواقع يشير إلى أنه عمل على "تأميمها"، فبدلاً من تمكين مؤسسات الدولة داخل المناطق المحررة، فُرضت عليها "هجرة قسرية" طال أمدها حتى استمرأت النخب السياسية العيش في فنادق العواصم، بعيداً عن غبار الجبهات ومعاناة المواطن تحت وطأة الغلاء وانعدام الخدمات، وهذا النوع من "النمو في الغربة" لم يضعف فاعلية الشرعية فحسب، بل نزع عنها "القداسة الوطنية"، فالمواطن في الداخل بدأ يفقد إيمانه بجدوى شرعية "افتراضية" لا تتقاسم معه الجوع ولا تتنفس هواء أرضه، مما أفسح المجال للحوثي ليدعي زوراً بأنه "حامي السيادة"، مستغلاً قبح الارتهان لشرعنة قبح انقلابه.

إن "وعد عرقوب" لم يتوقف عند استعادة الشرعية، بل امتد ليطال جدار الوحدة اليمنية ذاته، فبينما كانت الألسن الرسمية للتحالف تتغنى بالوحدة في المحافل الدولية، كانت الأيدي التمويلية على الأرض تبني "جيوشاً موازية" لا تدين بالولاء لوزارة الدفاع ولا ترفع علم الجمهورية، حيث استُحدثت كيانات عسكرية هجينة عُزلت عن هيكل الدولة لضمان ألا تخرج من رحم الحرب دولة يمنية قوية وموحدة قد تشكل مستقبلاً رقماً صعباً في معادلة المنطقة. لقد وجد اليمني نفسه أمام ثنائية مرعبة: إما الاستسلام لمشروع الحوثي الطائفي في الشمال، أو القبول بتمزيق الوطن إلى كانتونات متناحرة في الجنوب تحت رعاية "الأشقاء"، وهو تمزيق ممنهج هيأ كل الظروف لذبح الوحدة اليمنية بسكين الدعم المالي والعسكري العابر للحدود.

وتتجلى الخديعة الكبرى في الطريقة التي سُلب بها الرئيس الشرعي سلطته، ليُستبدل بكيان هجين يضم ثمانية رؤوس في جسد واحد، ليس بينهم جامع سوى "الارتهان للممول"، وكل منهم يحمل مشروعاً يناقض الآخر؛ بين من يرفع علم الانفصال، ومن يحلم بعودة "الجمهورية السنحانية"، ومن يقاتل من أجل "كانتون" جهوي. لقد صمم التحالف هذا المجلس ليكون في حالة "شلل استراتيجي" دائمة، شركاء في التقاط الصور ولكنهم متشاكسون في الميدان والقرار، مما جعل لكل عضو "فيتو" مدعوم من الخارج يعطل به أي تحرك وطني حقيقي، لتصبح السلطة مشلولة تنتظر الفتات من الموائد الإقليمية. إن التاريخ لا يسجل النوايا، بل يسجل النتائج، والنتيجة اليوم هي يمنٌ بلا سيادة، وشرعيةٌ بلا أرض، ووحدةٌ ممزقة بين "شركاء متشاكسين" أُحضروا ليديروا الانهيار لا ليصنعوا النصر. إن الخروج من تيه "مواعيد عرقوب" يتطلب شجاعة يمنية استثنائية تعترف بأن استعادة اليمن تبدأ باستعادة القرار من غرف عمليات الخارج، فمن لا يستطيع حماية وحدته وسلطته من عبث "الأشقاء"، لن يستطيع يوماً استعادة وطنه من مخالب "الأعداء".