آخر تحديث :السبت-02 مايو 2026-03:27ص

محمد مسعود.. بين عطاء صدوق وتكريم مستحق

السبت - 02 مايو 2026 - الساعة 03:24 ص
أحمد يسلم صالح

بقلم: أحمد يسلم صالح
- ارشيف الكاتب


في زمنٍ تتصدر فيه الأسماء واجهات المشهد، يبقى هناك رجال يعملون بعيدًا عن الأضواء وضجيج الإعلام لكن آثارهم حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للناس. من بين هؤلاء يبرز أسم الأستاذ محمد مسعود عبدالله السعدي مدير عام التخطيط برئاسة الجمهورية و أحد الكوادر الإدارية الهامة بوصفه نموذجًا لما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية التنمية"؛ حيث تتحول العلاقات والخبرة إلى أدوات لخدمة المجتمع لا لتحقيق المصالح الشخصية.


لم يكن محمد مسعود موظفًا تقليديًا في جهاز الدولة، بل شخصية محورية مهمتها التنسيق مع أعضاء مجلس النواب و مدراء عموم يافع في محافظتي لحج وأبين لمتابعة وإنجاح المشاريع التنموية وبرز من خلال لعب أدوارًا مرئية وغير مرئية في متابعة واعتماد مشاريع خدمية وتنموية في عدد من المحافظات، خصوصًا في يافع وأبين ولحج. ويكاد يجمع من عملوا معه أو عايشوا تلك المراحل على أنه كان حلقة وصل فاعلة بين السلطات المحلية ومراكز القرار، مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة مع مسؤولين حكوميين، دون أن يُعرف عنه توظيف تلك العلاقات لمنافع خاصة اطلاقا

على امتداد سنوات، ارتبط أسمه بملفات حيوية، أبرزها مشاريع الطرق والكهرباء والمياه، إضافة إلى مساهماته في دعم القطاع الصحي ومتابعة احتياجات بعض المستشفيات.


كما كان حاضرًا في ملفات البنية التحتية التي شكلت فارقًا في حياة الناس، سواء من خلال الدفع لاعتماد مشاريع جديدة أو استكمال أخرى متعثرة، في ظروف لم تكن سهلة على مستوى الدولة والإمكانات.

وفي قطاع الكهرباء، تشير شهادات محلية إلى دوره في متابعة إدخال عدد من المحطات ضمن منظومة المؤسسة العامة للكهرباء، وتأمين احتياجات تشغيلها، إلى جانب جهوده في دعم الشبكات الكهربائية في مناطق ريفية وجبلية. أما في قطاع الطرق، فقد ارتبط اسمه بعدد من المشاريع التي مثلت شريان حياة لمديريات كاملة، وساهمت ومأمولا منها في فك العزلة وتحسين الحركة الاقتصادية والخدمية. يأتي في مقدمتها مشروع طريق باتيس - رصد - معربان الاستراتيجي الذي يربط بين محافظتي أبين ولحج وعن طريقه يسهل الوصول إلى محافظات عدة وأجدها هنا فرصة لرواية كادت أن تعصف بالحلم في كلوسة خطيرة من خفايا ومقالب صنعاء تنبه لها محمد بحكم موقعه في الرئاسة

وملخصها حين علم من طرف خفي بوجود رسالة حكومية صادمة إلى الدولة المانحة قطر الشقيقة تطلب بتحويل ماتبقى من مبلغ 90 مليون دولار (وهي المنحة القطرية المخصصة للطريق) نصيب طريق باتيس- رصد لبناء قاعة مؤتمرات دولية في صنعاء

في تلك اللحظة، لم يتردد محمد مسعود؛ ورغم حساسية منصبه ، إلا أن انحيازه لمعاناة أهله كان أقوى. بـ"مغامرة شجاعة"، حيث قام بتسريب صورة الرسالة لي عبر الفاكس بسرية تامة، لتكون صورة تلك الرسالة هي "الشرارة" التي أشعلت غضب السلطة المحلية في أبين ، وأجمع عليها المكتب التنفيذي والمجلس المحلي في بالإجماع برئاسة المهندس فريد مجور المحافظ حينها ونائبه الأمين العام ناصر عبدالله عثمان تمخض عن إصدار بيان تاريخي زلزل الأوساط السياسية، ووصل صداه لقمة الهرم، مما أجبر الرئاسة وقيادة الحكومة حينها على التراجع والإبقاء على مشروع الطريق الحلم باتيس - رصد - معربان 96كم .في إطار المنحة القطرية .


ما يميز تجربة محمد مسعود، بحسب معرفتي الأكيدة بشخصه النبيل هو اعتماده على العمل التراكمي والصبر الطويل، بعيدًا عن الكسب والشكوى والظهور في وسائل الإعلام . فقد ظل لسنوات يتابع الملفات من مكاتب الوزارات في صنعاء، متنقلاً ومشاركًا في لقاءات ووساطات هدفت إلى تحريك مشاريع ظلت حبيسة الأدراج. وفي كثير من تلك الجهود، كان يعمل ضمن فرق تضم مسؤولين محليين ونوابًا ووزراء وشخصيات وازنة، في إطار عمل جماعي يخدم مناطق واسعة من البلاد. مثل خلالها حلقة الوصل والتنسيق والحركة

كما امتدت مساهماته إلى التنسيق مع منظمات وجهات دولية، والمشاركة في تهيئة ملفات ذات طابع ثقافي وتنموي ومنها المشاركة في نزول وفد اليونيسكو إلى القارة التاريخية ومدينة بني بكر فيما بعد لادرجهما في قائمة التراث العالمي . وهو ما يعكس تنوع أدواره بين الإداري والتنموي العلاقات العامة ، في آن واحد.

ورغم هذا الحضور الممتد، ظل اسم محمد مسعود بعيدًا عن دائرة التكريم الرسمي والمجتمعي ، وهو ما يدفع اليوم إلى إعادة طرح سيرته كنموذج يستحق التوقف عنده. فتكريم مثل هذه الشخصيات لا يقتصر على الاعتراف بجهود فرد، بل يعكس تقديرًا لقيم العمل العام القائم على النزاهة ونكران الذات.


أجزم إن ترشيح محمد مسعود لنيل "جائزة العر" مثلا يأتي في هذا السياق، بوصفه أحد النماذج التي خدمت من مواقع غير ظاهرة وبنكران ذات ، وأسهمت في تحقيق منجزات ملموسة على الأرض. فالرجل، وفق ما يرويه زملاؤه، لم يسعَ إلى منصب، ولم يوظف موقعه لمكاسب شخصية، بل كرّس جهده لمتابعة قضايا الناس، متنقلاً بين الملفات بصبرٍ لافت.


وفي الوقت الذي تمتلئ فيه الساحة بالأسماء اللامعة، تبدو الحاجة قائمة للالتفات إلى من عملوا بصمت، وتركوا أثرًا حقيقيًا دون ضجيج. ومحمد مسعود، بما يحمله من سجل عملي طويل، يظل أحد هؤلاء الذين تستحق تجربتهم أن تُروى، وأن تُنصف، وأن تُقدَّم بوصفها مثالًا على الوجه الآخر للعمل العام.

أما التفاصيل الواسعة لمسيرته، بما تحمله من مواقف ومحطات مفصلية، فهي أكبر من أن تُختزل في مقال، لكنها تظل حاضرة في ذاكرة الناس، وفي ما تحقق على الأرض من مشاريع ما زالت شاهدة على جهدٍ امتد لسنوات.