اعتذر لاحبابي المتابعين على الاطالة في المنشور ولكنه يطرح قضية جوهرية اعتاد البعض على تجاهلها وماشدني للطرح هوان قضية الجنوب اليوم لا تحتمل المزيد من المجاملات السياسية أو الخطابات المكررة التي تتغنى بالوحدة والهدف المشترك، بينما الواقع يسير في اتجاه معاكس تماما.
تصريح القيادي السياسي عبدالرحمن شاهر الصبيحي لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس لحقيقة باتت واضحة: القضية تمر بمرحلة حرجة، ليس فقط بسبب التحديات الخارجية، بل نتيجة أخطاء داخلية متراكمة لم يعد ممكنا تجاهلها.
المشكلة لم تكن يومأ في غياب الشعارات، بل في الإفراط فيها مقابل غياب الفعل الحقيقي. الحديث عن “منعطف خطير” يجب ألا يفهم كتحذير عابر، بل كإقرار ضمني بأن المسار الحالي يعاني من اختلالات عميقة. وهذه الاختلالات ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة سنوات من إدارة المشهد بعقلية ضيقة، غلبت المصالح الشخصية ومراكز النفوذ على حساب المشروع العام.
أكثر ما يثير القلق هو الاستمرار في تكرار نفس الأخطاء: انقسامات داخلية، غياب رؤية موحدة، وتوظيف الخلافات بدل حلها, في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن تحقيق أهداف كبرى أقرب إلى الوهم منه إلى التخطيط الواقعي. فكيف يمكن لقضية بهذا الحجم أن تنجح، وهي عاجزة حتى عن إدارة اختلافاتها الداخلية.
دعوة الصبيحي إلى تقييم المسار السابق تكشف بوضوح أن هناك خللا بنيويا، لكن السؤال الأهم: هل هناك إرادة حقيقية للمراجعة؟ أم أن الدعوات ستظل مجرد تصريحات للاستهلاك السياسي؟ لأن المراجعة الحقيقية تعني الاعتراف بالأخطاء، وهو ما ترفضه غالبا القوى التي اعتادت احتكار القرار.
أما الحديث عن الحوار، فهو الاختبار الأصعب, فالحوار ليس مجرد لقاءات شكلية أو بيانات إعلامية، بل تنازل متبادل واستعداد لتغيير السلوك السياسي. وفي واقع تسيطر عليه عقلية الإقصاء والاستقواء، يبدو هذا التحول بعيدا ما لم تحدث صدمة سياسية تجبر الجميع على إعادة الحسابات.
الأخطر من ذلك هو التلاعب بمفهوم “الثوابت الوطنية”، حيث يتم استخدامه أحيانا كشعار فضفاض يخفي خلفه تناقضات عميقة. فبدل أن يكون عامل توحيد، يتحول إلى أداة صراع، كل طرف يفسره بما يخدم موقعه، مما يزيد من حالة التشظي بدل معالجتها.
المرحلة القادمة لن ترحم أحدا. إما أن تفرض مراجعة جادة تعيد ترتيب الأولويات وتضع حد للفوضى السياسية، أو أن يستمر الانحدار حتى تفقد القضية زخمها وقدرتها على التأثير. وبين هذا وذاك، لم يعد هناك متسع للخطاب الرمادي أو الحلول المؤجلة.
فالجنوب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة سياسية حقيقية… شجاعة الاعتراف، وشجاعة التغيير، قبل أن يصبح الحديث عن “القضية” مجرد ذكرى لما كان يمكن أن يكون.