نتابع اليوم ما يجري في جنوب لبنان من مشاهد قصف وتدمير وحشية، واجتياح عسكري لمدنه وبلداته في بنت جبيل والخيام وصور وصيدا، وحرائق يشعلها الاحتلال الصهيوني في بلدة القنطرة، تطال المنازل والمدارس والمستشفيات وحتى الرموز الدينية والوطنية، وتدمير الجسور، ومنها جسر القاسمية، وتشريد أكثر من مليون مدني في الداخل اللبناني وخارجه. وهو امتداد للحروب الوحشية التي شهدها لبنان منذ 1948 وحتى اليوم، فلبنان يدفع ثمن موقعه وموقفه من القضية الفلسطينية عبر التاريخ.
وآن لهذه الحروب الوحشية على لبنان وفلسطين وسوريا واليمن وغيرها من البلدان العربية والإسلامية أن تتوقف. ومن وجهة نظرنا، فإن السلام الحقيقي لن يتحقق بتطبيع العلاقة مع إسرائيل، بل يبدأ من فلسطين، بقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، بصفتها جوهر الصراع في المنطقة، كما أكد ذلك الرئيس أنور السادات بعد توقيعه على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
وعندما أتحدث عن لبنان وجنوب لبنان، تعود بي الذاكرة إلى زيارة قمت بها لمعظم مدن وقرى الجنوب عام 2019، وكنت أتطلع إلى هذه الزيارة منذ سنوات بعد أن سمعت وقرأت عن بطولات هذا الشعب المناضل الذي هزم الجيش الإسرائيلي الذي كان يُقال عنه إنه "الجيش الذي لا يُقهر"، وهو ما يذكرنا ببطولات الشعب في عدن وجنوب اليمن، الذي هزم أكبر قاعدة بريطانية في الشرق الأوسط وأجبرهم على الرحيل بعد 129 سنة من الاحتلال، إيذانًا بنهاية الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس.
حينها بدأت رحلتي من صيدا، كبرى مدن الجنوب، ثم إلى صور، ومنها إلى القرى المتناثرة في الجنوب التي شكّلت عناوين للصمود، مثل رميش، عيتا الشعب، دبل، حانين، مارون الرأس، الطيبة، القنطرة، وبنت جبيل، وصولًا إلى وادي الحجير وقلعة الشقيف وبوابة فاطمة والخيام.
في تلك الرحلة، لم يكن الطريق مجرد انتقال جغرافي، بل كان عبورًا في ذاكرة التاريخ والمقاومة. كنا نستمع إلى بطولات حية عن معارك ومواجهات بين رجال المقاومة اللبنانية وجنود الاحتلال، وهي معارك أجبرت العدو على الانكفاء خلف جدران وأسوار إسمنتية وأسلاك شائكة.
وهناك، شاهدنا للمرة الأولى الحياة في الجهة الأخرى من فلسطين المحتلة. أتذكر أن أحد الأصدقاء تساءل: "هل هذه حدود إسرائيل التي نشاهدها وتبعد أمتارًا عنا؟"، فجاءه الرد حاسمًا وغاضبًا من قبل أحد أبناء الجنوب: "ليست حدود إسرائيل، بل هذه أراضٍ فلسطينية محتلة". وكان ذلك الجواب أكثر من تصحيح لغوي؛ بل تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن الاحتلال إلى زوال، وأن الأرض ستعود لأصحابها في يوم من الأيام.
كما استمعنا إلى شروح مفصلة عن العمليات الفدائية، وكيف نجحت مجموعات صغيرة من المقاومين، لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد، في تنفيذ عمليات فدائية شجاعة أربكت جيش الاحتلال، مستخدمين تكتيكات غير تقليدية، مستلهمة من تجارب حروب العصابات والتحرير في فيتنام والجزائر وعدن.
ومن أبرز تلك العمليات التي كسرت هيبة الجيش الإسرائيلي، استهداف دبابات "ميركافا"، التي طالما روّج لها الاحتلال كأقوى دبابة في العالم، فإذا بها تتحول في ساحات الجنوب إلى كتل حديدية محترقة.
وخلال رحلتنا التقينا بعدد من المواطنين والمقاومين، فوجدنا في حديثهم تواضعًا كبيرًا، لكن خلفه ثقة صلبة وعزيمة لا تلين. وكانوا يدركون أنهم لا يخوضون مجرد معركة عسكرية، بل معركة وجود وكرامة دفاعًا عن الأمة العربية والقضية الفلسطينية.
وشاهدنا في هذه الزيارة العمران في كل مكان، والقصور الجميلة التي شيّدها أبناء الجنوب على حدود الأرض المحتلة، الذين شرّدتهم الحروب إلى كل أنحاء العالم، لكن بعضهم عاد ليشيّد بيوته ويزرع أرضه، فيما يواصل آخرون تحويل الأموال إلى هذه الجبال لترسم صورة جميلة ونهضة عمرانية بالقرب من الأسوار التي بناها جيش الاحتلال الإسرائيلي على حدود لبنان. وهذا يدل على أن الشعب اللبناني يريد السلام لا الحرب، وينطبق عليه المثل: يد تبني ويد تدافع. فهؤلاء يدافعون عن أرضهم وعرضهم لأنهم لم يأتوا من وراء البحار ضمن الهجرات الصهيونية التي قدمت من شتى أنحاء العالم بعد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 لاحتلال فلسطين ولبنان ومرتفعات الجولان، ويسعون اليوم إلى إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات تحقيقًا لأهداف ذلك المؤتمر. وقد زُرع هذا الكيان في قلب الوطن العربي عام 1948 بقرار أممي، كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وشن الإعلام الصهيوني يومها حملة واسعة ضده. ونؤكد أن العرب ليسوا ضد اليهود الذين عاشوا في فلسطين والوطن العربي قبل الهجرات الصهيونية، بدليل أنهم كانوا يتعايشون في أمن واستقرار وسلام.
ومن المشاهد التي لا تُنسى، زيارتنا لمعتقل الخيام، ذلك المكان الذي اختزل فصولًا من الألم والمعاناة، إذ ضم خلال سنوات الاحتلال آلاف المعتقلين، في مقدمتهم المناضلة سهى بشارة، وتحول إلى رمز لانتهاكات لا تُمحى من ذاكرة التاريخ. وهناك شاهدنا غرف التعذيب، واستمعنا إلى شهادات حية عن ممارسات قاسية مارسها الاحتلال وأعوانه.
واليوم، إذ تتكرر مشاهد النار والدمار في الجنوب، يتأكد للعالم أن هذا الاحتلال لا يفهم لغة السلام، ولا يحترم القوانين الدولية، وأن الجنوب سيظل عنوانًا للكرامة والصمود والإباء والكبرياء مهما طال الزمن وغلا الثمن.