في الثاني من مايو 2026م وفي الوقت الذي تعيش فيه المنطقة في ذروة "حرب ممرات الطاقة" مع إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز وعودة التهديدات لباب المندب، تحركت ناقلة النفط "يوريكا" في خليج عدن وفجأة صمت جهاز الإرسال الآلي الخاص بها "فلم يكن هذا تعطلاً تقنياً" بل كان عملية سطو مسلح قبالة سواحل محافظة شبوة، اختطفت على إثرها الناقلة ووُجهت نحو السواحل الصومالية، وأعلن خفر السواحل اليمنية تلك الحادثة ببيان لتضيع في الأفق وسط فراغ سيادي بحري قاتل.
إن قراءة هذا الخبر كمجرد "جريمة قرصنة" هي سذاجة استراتيجية فهذه الحادثة ليست استثناءً بل هي شاهد إثبات على جريمة استراتيجية أعمق تذكرنا ببداية القرصنة الصومالية مطلع عام 2000م وما تبعها من مخططات تحطمت أمام الصلابة المؤسسية للقوات البحرية اليمنية حينها والتي كانت حصناً لسيادة الوطن ولاعباً رئيسياً يجوب البحر الأحمر والعربي.
أما اليوم فتكمن الخطورة في تغييب الدولة اليمنية عن مياهها وتفكيك قدراتها البحرية تمهيداً لتدويل البحر العربي وعسكرته بشكل دائم ،إن حادثة اختطاف يوريكا هي إعلان صارخ بأن ثمة من يستثمر في الفوضى وثمة من يدفع ثمن غياب "المخالب" التي كانت تحمي هذا البحر في الماضي القريب.
حين كان اليمن درعاً لا ثغرة: اللواء مجوٌر.. مهندس البحار.. وراسم الممرات أثناء الحصار.
لفهم فداحة ما حدث للناقلة يوريكا وخطورته يجب العودة بالذاكرة إلى مشهد كان فيه اليمن "حلاً" لا "مشكلة" فقبل عقد ونصف من الآن وتحت قيادة اللواء الركن بحري رويس عبدالله علي مجور والذي تولى قيادة القوات البحرية والدفاع الساحلي بين (1999-2012م)، لم تكن اليمن تصدر بيانات استغاثة بل كانت شريكاً نِدّاً يفرض احترامه في غرف العمليات الدولية.
في تلك الحقبة الذهبية، تجسدت "عقيدة مجور" في إدراك أن السيادة على البحر لا تُمنح في المحافل، بل تُنتزع بالإمكانات والعقيدة القتالية والروح الوطنية وتحت قيادته، برزت منجزات تفرض علينا ذكرها:
في تلك "الحقبة الذهبية" امتلك اليمن عيوناً لا تنام من خلال بناء منظومة رادارات ساحلية متطورة وفرت "صورة عملياتية" حية للشريط البحري اليمني من رأس عيسى بالحديدة إلى صرفيت بمحاذاة عمان في محافظة المهرة، مما مكن القيادة من الرؤية قبل التحرك.
وبمتابعته الحثيثة مكّن اليمن من امتلاك قبضة رادعة تمثلت في تطوير أسطول حديث من زوارق الدورية والإنزال السريع، وحوّل البحرية من قوة رمزية إلى قوة تدخل سريع قادرة على الملاحقة والاشتباك في أعالي البحار.
عمل بروح الفريق الواحد وأحبته القيادات والجنود وسطرت لليمن انتصارات لا مجرد بيانات ولم تكن هذه القوات حبراً على ورق، بل خاضت معارك حاسمة.
فعندما اختُطفت ناقلة النفط اليمنية "أرتين" قبالة شبوة لم تنتظر أسطولاً أجنبياً، بل تحركت البحرية وحاصرت الزوارق المعادية وحررت الناقلة، وعندما هوجمت الناقلة "دوكن" في المياه الدولية تصدت لها البحرية اليمنية وأفشلت الهجوم، هذه الوقائع تؤكد أن "المخالب" كانت حادة وفاعلة.
واستطاع مجور، من خلال دبلوماسيته وقراءاته الاستباقية للأحداث ومن خلال مشاركته في المحافل والمؤتمرات الدولية وزياراته للجهات الفاعلة، أن يحول البحرية اليمنية إلى مرتكز رئيسي وقوة فاعلة اكتسبت ثقة المجتمع الدولي في حماية السفن التجارية والناقلات العملاقة للنفط والغاز في البحر الأحمر والعربي، من خلال دوريات مستمرة ومرافقة دائمة.
"هذا الإرث لم يكن رفاهية، بل كان العمود الفقري لسيادة وطنية في أخطر ممرات العالم."
من التفكيك إلى الفخ: صناعة الفراغ لتبرير التدويل
السؤال المؤلم والاستراتيجي: كيف انتهى بنا الحال من تحرير "أرتين" إلى انتظار "يوريكا" أن تُختطف وتُساق كسمكة سردين في صنارة صياد بائس؟
الجواب: لقد تعرضت القوات البحرية والدفاع الساحلي اليمنية بعد 2012م لعملية "نزع مخالب" ممنهجة، تم تدمير بنيتها التحتية وتصفير جاهزيتها، وتشتيت كوادرها المؤهلة وتهميشها و التي "أُنفق الذهب" على تدريبها وتأهيلها. والمفارقة المؤلمة أن الموت وجد ضالته لحصد أرواح تلك الكوادر المكلومة على ما آلت إليه مؤسستهم التي بنوها طوبة طوبة، وتم تحويل بلادنا طواعية أو قسراً من دولة ذات سيادة بحرية إلى دولة "مكشوفة السواحل".
وهنا يكمن الفخ الاستراتيجي الأعظم هذا الفراغ الذي نراه اليوم ليس مجرد سوء حظ أو إهمال، بل هو "صناعة" تخدم أجندات التدويل، فعندما تُجرد الدولة اليمنية من أدواتها العسكرية والقانونية للعمل في مياهها الإقليمية والدولية، فإنها تُعطي القوى الكبرى "صكاً أخلاقياً وقانونياً" للتدخل.
وغياب وزارة الدفاع اليمنية وقوات البحرية الوطنية يشرعن وجود الأساطيل الأجنبية ويحول البحر العربي إلى "منطقة عمليات دولية" خاضعة لحسابات القوى الكبرى وأمن الطاقة لديها.
باختصار لقد وقعنا في الفخ .. فنحن مقيدون قانونياً وميدانياً وعملياتياً والقوى الدولية موجودة عملياً تملأ فراغاً صُنع لتبقى فيه.
واختطاف "يوريكا" هو الثمرة المرة لهذه الهندسة الجيوسياسية، وهو البداية للهيمنة الدولية على بحارنا وشواطئنا.
الخاتمة: إحياء عقيدة اللواء مجور.. معركة وجود لا رفاهية
إن اختطاف "يوريكا" ليس نداء استغاثة لأساطيل أجنبية بل هو جرس إنذار لليمن والمنطقة ، وإن الحل كما أثبت التاريخ القريب لن يأتي من "قبعات زرق" أو تحالفات بحرية تزيد البحر عسكرة وتُفقدنا قرارنا، بل من استعادة الروح التي جسدها اللواء مجور:
"روح السيادة الوطنية بعزيمة الرجال.. لا بوجود الريال!".
إن ما يجب على وزير الدفاع حالياً أن يفرض اليمن "بالمعلومات والقدرات العملياتية"، ثم يشرع بإعادة تنظيم وبناء القوات البحرية والدفاع الساحلي وإحياء عقيدتها القتالية، ليس كترفاً عسكرياً بل هو معركة وجود وطني.
إنها المعركة بين أن نكون "ممراً مائياً مباحاً" تديره أجندات القوى الكبرى، وبين أن نكون "سوراً بحرياً" يحرسه أبناء اليمن بقلوبهم قبل أيديهم، وإذا لم تستعد اليمن "مخالبها" البحرية، سيظل بحرنا مسرحاً لانتهاك السيادة وستظل كل "يوريكا" تُختطف لتعطي دليلاً دامغاً على أن من يملك مفتاح أمن ممرات الطاقة هو من يحكم العالم.
كتبه: محمد سالم مجور
مستشار إستراتيجي في الطاقة والبيئة والدراسات الجيوسياسية.