واصلنا السير نحو طقوس الأفراح ، ومراسيم الانشراح ، لم أكن أتوقع ذلك الاستعداد لاستقبالنا ، بل لم يخطر على بالي ذلك الابتهاج بقدومنا ، ما إن أطلت مركبتي على المكان المعد للأفراح ، حتى انبهر بصري بزرافات من الفتية.، أعمارهم دون العشرين ، مآزرهم لا تتجاوز ركبهم ، عمائمهم على رؤوسهم شبه موحدة ، في أيديهم وعلى صدورهم بنادق الكلاشنكوف ، تقرأ في شخوصهم عنفوان الشباب ، وكبرياء الرجولة ، وفي خط المركبة جماعة من حملة الجواحل والمرافع والطاصات ، الأمر الذي جعل أصوات الطبول ، ودوي الأعيرة النارية ، تشكل إيقاعات رائعة ، يتجاوب صداها في الجبال المحيطة ، ما يخلق معنويات عالية ، وشعور وجداني ، يعجز القلم عن وصفه.
رافقنا أولئك الشباب ، بالسير من حولنا ، وإطلاق الأعيرة النارية ، وكذلك تلك الفرقة الفنية ، تتقدمنا بقريع الطبول ، ما خلق موجات موحدة هادرة ، يقشعر لها الرأس ، ويتخدر منها البدن ، حتى وصلنا إلى المكان المعد لاستضافتنا .
تناولنا طعام الغداء ، وبعد ذلك تبادلنا أطراف الحديث لبعض الوقت ، صلينا العصر ، ثم تم انتداب العشرات من النساء ، وأضعاف أعدادهن من الشباب ؛ لاستحضار العروس من منزلها إلى منزل العريس ، مع أن المسافة حوالي كيلومتر أو تزيد قليلا ، غير أن موكب العروس استغرق أكثر من ساعة حتى وصل ، شكلت النساء أكثر من سبع حلقات دائرية حول العروس ، ومن خلفهن أكثر من عشر حلقات دائرية من الشباب ؛ الإناث يحملن المباخر التي ينبعث منها دخان البخور ، والذكور على أكتافهم الأسلحة ، يطلقون الأعيرة النارية ، ويرددون الأناشيد القبلية وأهازيج الانتصارات ، ويبترعون على إيقاعات الطبول والدفوف والمزامير ، التي تصنعها الفرقة الفنية المرافقة لموكب العروس ، وإذا ما نظرت إلى الموكب من بعد ، يهولك ذلك المنظر العجيب ، وأنت ترى سحابة تظل موكب العروس ؛ قد تكونت من غبار النقع ، ومخلفات البارود ، والدخان الذي ينبعث من المباخر ...
ولما أقبل الليل ، استبقه القمر ، وكأن حاله يقول : ليس لك مكان في هذا المساء بيننا أيها الظلام ، لقد تحالفت مع النهار على أن نمنعك من أن تفسد علينا هذه السويعات العامرة بالأفراح ، فتواصلت الأضواء ، وسيطرت الأنوار ، وساد السمر ، المفعم بالبرع ، والرقصات الشعبية ، وغيرها من طقوس الفلكلور الشعبي ، إلى فجر اليوم التالي .
حقا إن تلك المشاهد ، قد رسمت في بصري ، وحفرت في بصيرتي ، لوحة في غاية الروعة والجمال ... ما جعلني استعيد قول الشاعر العربي :
جلبن لي الشوق القديم ولم أكن ** سلوت ولكن زدن جمرا على جمر
وعندما سألت ابن أخي ، القائم بهذا الأمر ، ومن بعث لي الدعوة ، لماذا كل هذا يابني؟ أجاب : إنما أردت أن أبتعث لك شيئا من الماضي ؛ لأنك أسيره ، ومغرم به .