في صباح الثالث من مايو 2026، لم يكن اليوم مختلفًا في ظاهره عن غيره، لكن في مكانٍ ما، كان صحفي يحمل كاميرته، يتردد لثوانٍ قبل أن يخرج إلى الشارع. لم يكن يخشى التعب، بل كان يخشى أن تكون هذه الخطوة هي الأخيرة. ومع ذلك، خرج. لأن هناك قصة يجب أن تُروى.
هكذا تبدأ حكاية الصحافة… ليست بخبر عاجل، ولا بعنوان عريض، بل بإنسان يؤمن أن الحقيقة تستحق أن تُنقل، مهما كان الثمن.
منذ سنوات، والصحفيون حول العالم يعيشون بين خطين متوازيين: خط الواجب وخط الخطر. في غرفة التحرير، قد يُطلب من الصحفي تعديل كلمة، حذف جملة، أو تغيير زاوية قصة، ليس لأنها غير دقيقة، بل لأنها “غير مرغوب فيها”. هناك، تبدأ أولى الضغوط، حيث تتصارع المهنية مع الإملاءات، والحقيقة مع المصالح.
لكن القصة لا تتوقف عند حدود المكاتب.
في الميدان، حيث الغبار والدخان، يصبح الصحفي شاهدًا حيًا على ما لا يُروى. يقف بين أصوات الانفجارات أو صرخات الناس، يحاول أن يلتقط لحظة، صورة، أو شهادة. في تلك اللحظة، لا يكون مجرد ناقل خبر، بل جزءًا من الحدث. وكلما اقترب أكثر من الحقيقة، اقترب أكثر من الخطر.
في اليمن، تأخذ هذه الحكاية طابعًا أكثر قسوة.
هناك، لا يحمل الصحفي حقيبته فقط، بل يحمل قلقًا دائمًا. قد يخرج لتغطية حدث، ولا يعرف إن كان سيعود. الطرقات ليست آمنة، والكلمات ليست حرة، والحياد قد يُفسَّر كاتهام. بين أطراف الصراع، يجد الصحفي نفسه محاصرًا، كل طرف يشك في نواياه، وكل كلمة قد تُحسب عليه.
يحكي أحدهم – دون أن يُذكر اسمه – أنه كان يكتب تقريرًا عن معاناة الناس، فتلقى رسالة تحذير. لم يتوقف، لكنه غيّر بعض العبارات. ليس لأنه أراد ذلك، بل لأنه أراد أن يعيش ليكمل الحكاية.
وهناك من لم يُكملها.
صحفيون فقدوا حياتهم وهم يحملون الكاميرا أو القلم، لم يكونوا طرفًا في النزاع، لكنهم دفعوا ثمن الاقتراب من الحقيقة. رحلوا، وبقيت قصصهم شاهدة على أن هذه المهنة ليست فقط لنقل الأخبار، بل للدفاع عن حق الناس في المعرفة.
وفي أماكن أخرى من العالم، تتكرر الحكاية بأشكال مختلفة. قد لا يكون الخطر دائمًا رصاصة، بل قد يكون تشويهًا للسمعة، أو سجنًا، أو صمتًا مفروضًا. في العصر الرقمي، أصبح الصحفي يواجه سيلًا من الهجمات الإلكترونية، والتضليل، ومحاولات إسكات صوته بطرق جديدة.
ومع ذلك… تستمر الحكاية.
في كل مرة يفتح فيها صحفي دفتره، أو يشغّل كاميرته، أو يكتب سطرًا جديدًا، فهو يختار أن يكون شاهدًا. يختار أن يقول: “هذا ما حدث”، حتى لو حاول الآخرون إنكار ذلك.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا تُروى هذه الحكايات للذكرى فقط، بل للتذكير بأن الحقيقة لا تصل إلينا بسهولة. هناك من يسير نحوها في طرق محفوفة بالخطر، وهناك من يدفع ثمنها من حريته أو حياته.
وربما، في مكانٍ ما الآن، صحفي آخر يستعد للخروج… يتردد قليلًا، ثم يمضي.
لأن القصة لم تنتهِ بعد.