آخر تحديث :الأحد-31 مايو 2026-11:25ص

رصاصة في قلب الحلم.. من يعتذر لوسام عن خذلاننا؟

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 07:48 ص
د. سمير أحمد بوست


لم يكن وسام قائد مجرد اسم يترأس إدارة أو يُمهر توقيعه على أوراق رسمية، ولم تكن حقيبته مليئة بمجرد مشاريع إسمنتية أو أرقام صماء؛ بل كانت تنبض بحياة الناس. وحين تُستهدف حياة الناس، فإننا نقف أمام فاجعة تتجاوز حدود الجريمة لتصبح طعنة غائرة في قلب كل يمني كان ينتظر من هذه المشاريع نافذة أمل تستر عريه وتطعم جوعه وتعيد له شيئاً من كرامته المهدورة.


تخيلوا معي حجم هذه المأساة الإنسانية: إنسانٌ يعيش حياةً هانئة ومستقرة في بريطانيا، حيث الأمان يتنفس في كل زاوية. كان بإمكانه أن يطوي صفحة هذا الوطن النازف، وينجو بنفسه وأسرته من محرقة الصراعات، لكن صوتاً خفياً في داخله لم يمنحه الطمأنينة. ناداه وجع أهله، فاختار أن يترك ذلك الفردوس البارد، ويعود إلى وطنه المثقل بالانكسارات والخراب. عاد ليضع خبرته الدولية في خدمة البسطاء، ليضمد الجراح ويبني ما دمرته سنوات العبث.


فكيف كافأناه؟


في وضح النهار، ومن أمام عتبة منزله الذي كان يُفترض أن يكون ملاذه الآمن، امتدت إليه يد الغدر لتختطفه بكل وقاحة واستهتار. لم تكتفِ باختطاف جسده، بل اغتالت روحه بدم بارد، وتركته جثة هامدة في سيارته.


ما أقسى هذا المشهد! إنسان يخرج في الصباح ليسهم في صناعة سبل الحياة الكريمة للآخرين، فيُعاد إلى أهله في المساء مسلوب الحياة. أي قلب يحتمل أن يرى من جاء حاملاً غرسة التنمية، يسقط مضرجاً بدمائه على أرصفة المدينة التي أحبها؟


هذه الجريمة البشعة ليست مجرد رصاصة اخترقت جسد وسام؛ بل هي رصاصة أُطلقت في قلب كل كادر وطني شريف. إنها رسالة تدمي القلوب قبل العقول، تقول لنا بصفاقة: إن محاولة ترميم هذا الوطن هي خيانة تُعاقبون عليها بالموت، وإن البناء خطيئة لا يغسلها إلا الدم، وإن الفوضى هي قدركم الذي لا فكاك منه.

إن صمتنا اليوم أمام هذه الوحشية التي تبتلع خيرة عقولنا وكوادرنا لم يعد مجرد عجز، بل هو شراكة صامتة في تهيئة المسلخ الذي تُذبح فيه أحلامنا. لا يمكن لأي مجتمع أن يقف على قدميه إذا صار مشي كوادره في الشوارع مخاطرة، وإذا أصبح العمل العام فخاً للموت.

رحل وسام، وترك لنا سؤالاً يتدلى كالمشنقة فوق ضمائرنا: كم من الأرواح النبيلة يجب أن نُشيعها حتى ندرك أننا ننزلق نحو غابة لا تأكل إلا أبناءها البارين؟

رحمك الله يا وسام.. وعذراً لأنك عدت لتبني لنا بيوتاً من أمل، فبنينا لك قبراً من خذلان. ولا نامت أعين الجبناء الذين لا يتقنون سوى صناعة الموت في وطنٍ يئن بحثاً عن الحياة.