آخر تحديث :الثلاثاء-05 مايو 2026-01:12ص

اليمن والقانون الغائب: قراءة استشرافية في تمدد الاغتيالات وصعود العنف المنظم

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 09:33 م
د. جمال الهاشمي

بقلم: د. جمال الهاشمي
- ارشيف الكاتب


تكشف البيانات الحقوقية الموثقة وعلى رأسها تقرير اغتيال الحياة الصادر عن رايتس رادار لحقوق الإنسان عن ظاهرة الاغتيالات في اليمن .

وبناء على ذلك لم تعد هذه الجرائم أحداثا انفعالية وردود فعل متبادلة على غرار النمطية القبلية وثاراتها الجاهلية وإنما تحولت إلى إستراتيجية ممنهجة و نمط قابل للرصد الكمي والتحليل البنيوي.

وإذا عدنا إلى الفترة بين 2014 و2019 حيث تم توثيق 451 حالة اغتيال وهو رقم لا يكتسب دلالته من حجمه فقط وإنما من طبيعة توزيعه الجغرافي غير المتوازن و الذي يكشف عن منطق داخلي يحكم انتشار الظاهرة.

و تستحوذ مدينة عدن التي كانت اعرق مدينة يمنية للسلام في عهد النظام الاشتراكي على ما يقارب من 30% من هذه العمليات وتليها تعز مدينة الثقافة والسلم المدني بنسبة تقارب 25% بينما تنخفض النسبة في صنعاء التي كانت في الأساس بيئة للصراع والتنافس والثارات إلى نحو 9% ثم حضرموت التي تعد نموذجا مصغرا للتنمية والاقتصاد الحضاري إضافة إلى الصدق والأمانة بنحو 6% وتكاد تكون هامشية في الحديدة المسالمة بنسبة تقل عن 1%.

إن هذا التفاوت لا يمكن تفسيره باعتبارات ديموغرافية أو عشوائية بقدر ما يفسر طبيعة الاختلاف بين أنماط السيطرة السياسية والأمنية داخل كل مدينة والتي تتمركز فيها مراكز النفوذ داخل الشرعية.

ففي عدن تتداخل مراكز النفوذ وتتشابك الولاءات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية إذ تعكس الجريمة المنظمة طبيعة الصراع المأزوم .

وهو الأمر الذي يفسر ارتفاع النسبة في تعز والتي بدورها تعيش حالة من الانقسام الجغرافي والتنافس السياسي القهري لا المدني وهنا تتكاثر الاغتيالات كامتدادا للصراع داخل مناطق الشرعية وكأنها جميعا ترى أنها غير مؤهلة مدنيا لإدارة الدولة المدنية نظرا لهشاشة وضعف الثقافة المدنية.

أما في صنعاء فإن الانخفاض النسبي لا يدل على غياب العنف بقدر ما يعكس نمطا مختلفا من السيطرة الأمنية المركزية إذ يتم احتواء هذا النوع من الجرائم ضمن آليات أكثر تشددا.

أما محدودية الاغتيالات في حضرموت والحديدة فيتشير إلى أن العنف يأخذ أشكالا أخرى و غالبا ما تكون مباشرة أو جماعية.

ولا تقتصر هذة الإشكالية ضمن هذا السياق على عدد الاغتيالات أو توزيعها وإنمت تتجلى بصورة أوضح في النتيجة المشتركة لهذه الحالات.

والتي نراها وقد بيناها في مقالات سابقة التي تتمثل بغياب برامج عادلة وواضحة تجعل من اليمن مجالا للتنافس الشقاف والسلمي لا التجييش الايدلوجي والطائفي والعقائدي ومن جهة أخرى تشير إلى عجز الأجهزة الأمنية والقضائية عن كشف الجناة وتوضيح ذلك للشعب في أقل ما يمكن قوله وحينها تتجسد إرادة الشعب في اختيار من ينقاد له من أجل تجسيد إرادته في الأمن والتنمية والعدالة .

ولكن هذا العجز لا يبدو عارضا لا سيما وأنه يتكرر بطريقة توحي بوجود خلل بنيوي في آليات التحقيق والمساءلة خاصة في ظل تداخل النفوذ السياسي والعسكري مع عمل مؤسسات الدولة.

وعندما لا تكون الأجهزة الأمنية محايدة بالكامل ويتقاسمها النفوذ وعندما لا يتمتع القضاء بالاستقلال الفعلي تصبح الجريمة محاطة بشبكة من التعقيدات التي تعيق الوصول إلى الحقيقة أو تمنع إعلانها وبالتالي تزيح أي برامج إصلاحية من خارج السلطة من خلال ممارسة سلطة النفوذ والتقاسم الوظيفي للدولة بالقوة وليس بإرادة الشعب واختياره.

وعلى هذا الأساس يمكن قراءة الاغتيالات في اليمن كحالة توضح طبيعة العلاقة بين السلطة والقانون.

إم المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الجريمة وإنما في استمراريتها وتجددها وتقييد الجريمة ضد مجهول .

ومع تكرار هذه الحالة يتشكل إدراك ضمني بأن المساءلة مغيبة في مؤسسات خالية من أية برامج إصلاحية يضمن لها استقلالها .

وهو ما يضعف وظيفة الردع ويجعل من الاغتيالات أداة قابلة للاستخدام ضمن بيئة يغيب فيها التوازن بين القوة والعدالة.

إن البحث عن منفذي الاغتيالات يستدعي تشريح الييئة السياسية والمجتمعية والثقافية والاقتصادية قبل عرض الأدلة الجنائية.

و القضية هنا لا تتعلق بفاعل مجهول وإنما بنظام معروف يعجز عن تسمية الفاعلين.

واذا دققنا بقراءة واقع القراءة القانونية البحتة سنجد أنفسنا أمام ظاهرة لا يمكن تفسيرها كحوادث فردية لأن تكرارها يخرجها عن السمات الفردية تماما.


و الأرقام المتداولة – مئات الاغتيالات خلال عقد واحد خصوصا في مدن مثل عدن مدينة السلام والأمن – تكشف عن نمط مستقر من أنماط النفوذ داخل المؤسسات الأمنية نفسها وداخل مؤسسات الدولة التي تتحدث بتصريحاتها عن متابعة الجناة في كل حادثة اغتيال ثم تغيب عن المشهد لتطل مجددا بنفس التصريحات .

والمشكلة تكمن عندما تتحول الحكومة عن الفاعلية إلى الإدانة.

ويرى المحققون أن تكرار الجريمة في ظل وجود نظام قانوني فإن وتكرار مع غياب الإدانة لا يفسر بالصدفة وإنما يعد قرينة على خلل هيكلي في منظومة العدالة او اختراق لها يعمل على تغطية الجرائم ولا شك أن فساد المؤسسات الأمنية وغياب ثقافتها العدلية يجعلها متواطئة مع هذه الجرائم المنظمة ..


إن سلسلة العدالة لا تقاس بحلقة واحدة كما أنه لا يكفي أن يوجد قاض مستقل إذا كانت أجهزة التحقيق خاضعة لتوازنات سياسية ولا يكفي أن تفتح القضايا إذا كانت الأدلة لا تجمع بمعايير مهنية.

وفي مثل هذه الحالات يصبح مجهول .. ليس وصفا للفاعل وإنما وصفا لحالة النظام بأكمله.

إن تداخل النفوذ السياسي والعسكري داخل الأجهزة الأمنية يؤدي الى تضارب المصالح السيادية وحينها يكون الجهاز المسؤول عن التحقيق طرفا ضمن شبكات النفوذ و القوة و يصبح الكشف عن الجاني تهديدا محتملا لتلك الشبكة.

هنا، لا تغلق القضايا لعدم كفاية الأدلة فحسب وإنما أيضا لعدم ملاءمتها.

أما القضاء الذي يفترض أن يكون الملاذ الأخير للعدالة فإنه يجد نفسه محاصرا بحدود ما يقدم له. ويرى القانون أن دور القاضي الحكم في الوقائع وليس صناعتها. فإذا كانت الوقائع مبتورة أو مسيسة أو غير مكتملة فإن الحكم سيبقى عاجزا عن الوصول إلى الحقيقة أو خائفا منها.

وهكذا يتحول القضاء من أداة تحسم القضايا بالأحكام إلى أداة لتغييبها أو للتجاهل عنها .

وفي هذا السياق يصبح غياب العقوبة هو المبدأ الذي يقوم عليه الردع في الفكر الجنائي وبذلك يكون عاملا محفزا لا رادعا. فالجريمة التي لا يعرف فاعلها تُرسل رسالة واضحة للمجتمع والأفراد مفادها أن المخاطرة منخفضة بكتمانها والنتيجة يمكن التحكم بها.

وهذا ما يفسر انتقال الاغتيالات من حالات استثنائية إلى نمط منتظم.

لكن الأخطر من منظور استشرافي ليس استمرار الاغتيالات بحد ذاتها وإن الخطورة في البيئة التي تنتجها.

هذه البيئة هي ذاتها التي سمحت لتنظيمات القاعدة والجماعات السياسية المسلحة بأن تعيد تموضعها داخل الدولة وخارجها .

فالتنظيمات المتطرفة سواء قومية أو دينية لا تزدهر في الفراغ الأمني فقط وإنما أيضا في الفراغ القانوني حيث تغيب المساءلة وتتآكل الثقة وتصبح القوة بديلا عن الشرعية.

إن الاغتيالات تضعف النخب الأمنية والدينية وتضعف شرعية الحكومة وتخلق مناخا من الخوف بينما تستثمر التنظيمات هذا المناخ لتوسيع نفوذها سواء عبر السيطرة المباشرة أو عبر الاختراق غير المباشر.

وفي الحالتين تكون النتيجة مزيدا من تآكل الدولة.

وفي اليمن يمكن رسم ثلاثة مسارات مستقبلية:

الأول: وهو الأرجح ، استمرار الوضع الحالي؛ اغتيالات متقطعة و جناة مجهولون وقضاء غير قادر على الحكم.

هذا المسار لن يؤدي إلى الانهيار الكامل لكنه يرسّخ فكرة اقتصاد العنف كأداة دائمة في النظام والمجتمع .

الثاني؛ تصاعد الظاهرة إلى مستوى أكثر تنظيما حيث تتحول الاغتيالات إلى استراتيجية واضحة لتصفية الخصوم وإعادة تشكيل موازين القوة مع دور أكبر للتنظيمات المسلحة.

أما الثالث: وهو الأقل احتمالا فيتطلب إعادة بناء حقيقية وإعادة حل مشكلة المؤسسات العسكرية ضمن برامج عملية ومع هذا فإن الدولة تمار شي تعطيل أي مقترحات أو برامج تركز على مفهوم المواطنة والمدنية والعدالة باعتبار هذه المفاهيم ثالوث النور الذي لا يقبله النفوذ .

إنه وبدون استقلال القضاء و تحييد الأجهزة الأمنية وفرض مبدأ عدم الإفلات من العقاب سيبقى أي إصلاح معطل وفي حال الحديث عنه لن يكون سوى تعديلات شكلية لأن الشرعية حتى الآن ليست لديها أية برامج عملية ولا تقلل أي برامج تأتيها من خارجها ، فالمشكلة في أن الشرعية الحالية تخاطر بالمخلصين بينما تحتمي من آيادي الاغتيالات في الخارج .

وهو ما يجعلنا نرى أن أي إصلاحات لا تنقل الحكومة الشرعية من الخارج إلى الداخل تعد أصلاحات فاسدة .

إن قضية الاغتيالات ليس أن القاتل مجهول وإنما لأن النظام يعرف أكثر مما يقول ، وعاجز أكثر مما يجب.

وعندما يصل القانون إلى هذه المرحلة لم نعد نفكر في

كيفية منع الجريمة وإنما نبحث عن برامج عملية تفعل القانون باعتباره المسار الذي يحقق العدالة الولضحة والشفافة ويجفف منابع الاغتيال عبر آليتين:

منح الحقوق بالمرافعات السلمية وضمان سلامة المطالب قانونا .

تفعيل القانون كأداة شرعية للتأديب ومنع الجريمة وليس للعنف والعقاب وممارسة الجريمة .

والظاهر في اليمن أن القانون كما هي أعراف القبيلة والمعتقدات الطائفية المنحرفة عن أصولها وقيمها يمارسون الظلم بشرعية القبيلة لا بقيمها الخالدة وبشرعية القانون لا بعدالته وبشرعية المعتقد لا بشريعته.