ليست القضية الجنوبية ملكاً لحزبٍ بعينه، ولا حكراً على كيان سياسي، ولا امتيازاً لمنطقة أو فئة أو فرد. إنها قضية وطن وشعب، وحق سياسي وتاريخي تشكّل عبر عقود من النضال والتضحيات. وكل القضايا الوطنية الكبرى التي جرى احتكارها أو اختزالها في أطر ضيقة، كانت دائماً عرضة للصراعات والحروب والانقسامات الداخلية، وسرعان ما تحولت إلى أهداف سهلة لقوى الخصومة والاختراق.
التجربة الجنوبية ليست استثناءً من هذه القاعدة. فمنذ الاستقلال في عام 1967، واجه الجنوب أزمات متلاحقة لم تكن نابعة من غياب القضية، بقدر ما كانت نتيجة سوء إدارتها، وتغليب منطق الصراع الداخلي على منطق الشراكة الوطنية، وتحويل الخلاف السياسي إلى حالة إقصاء وعداء دائم. واليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً من مسيرة نضال طويلة، قدّم خلالها الشعب الجنوبي تضحيات جسيمة، نجد أن القضية نفسها وقعت في فخ الأخطاء ذاتها، ولكن بصيغ وأدوات مختلفة.
إن أخطر ما تواجهه القضية الجنوبية في هذه المرحلة ليس فقط التحديات الخارجية، بل حالة التشرذم الداخلي، واحتكار التمثيل، وتضييق مساحات الاختلاف المشروع. فقد تحوّلت القضية، في كثير من الأحيان، من مشروع وطني جامع إلى مشاريع متنافسة، ومن هدف تحرري واضح إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي، تُستنزف فيها الجهود ويُهدر فيها الرصيد النضالي.
ومن المؤسف أن هذا الواقع لم يُفرض علينا بالكامل، بل ساهمنا نحن في صناعته. لقد ظلمنا أنفسنا حين لم نستفد من دروس الماضي، ولم نُحسن قراءة تجاربنا السابقة، وظننا أن امتلاك القوة أو النفوذ يعوّض غياب التوافق، وأن الصوت الواحد يمكن أن يمثل شعباً متنوعاً بتاريخه ورؤاه وتكوينه الاجتماعي والسياسي.
تشخيص الصراع القائم اليوم يبيّن بوضوح جملة من الإشكالات الجوهرية، أبرزها:
غياب الشراكة الوطنية الحقيقية، وضعف الأطر الجامعة لإدارة الخلاف، واحتكار القرار السياسي، وتغليب الولاءات الضيقة على المصلحة العامة، إضافة إلى توظيف القضية في صراعات جانبية أضعفتها بدل أن تحصّنها.
أما المعالجات، فلا يمكن أن تكون آنية أو شعاراتية، بل تتطلب مقاربة عقلانية قائمة على الحكمة والحجة. وأولى هذه المعالجات الإقرار بأن الجنوب يتسع لجميع أبنائه، وأن الاختلاف السياسي ظاهرة صحية إذا أُدير ضمن أطر مؤسسية، لا باعتباره خيانة أو تهديداً. فالقضية العادلة لا تخشى التنوع، بل تضعفه فقط عقلية الإقصاء.
وثانيها إعادة بناء مشروع وطني جنوبي جامع، يقوم على برنامج سياسي واضح، يحدد الأهداف والوسائل، ويضع آليات شفافة لاتخاذ القرار، ويضمن مشاركة مختلف القوى والمكونات دون استثناء أو تمييز.
أما المعالجة الأهم، فهي تحرير القضية الجنوبية من الارتباط بالأشخاص والرموز، فالقضايا الوطنية لا تُختزل في أسماء، ولا تُقاس بعمر القيادات، بل تُصان بالمؤسسات، وتُحفظ بالوعي الجمعي، وتنتصر حين تصبح فوق المصالح الفردية والحسابات المرحلية.
إن مستقبل القضية الجنوبية مرهون بقدرتنا على التعلم من التاريخ، لا تكراره، وعلى تحويل التضحيات إلى وعي سياسي ناضج، لا إلى صراعات داخلية. فالجنوب لا يحتاج إلى أوصياء على قضيته، بقدر ما يحتاج إلى حكماء في إدارتها، وإلى عقل سياسي يدرك أن وحدة الهدف لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تنظيمه في إطار وطني جامع.