في الرابع من مايو، لا يستعيد الجنوبيون مجرد تاريخ عابر، بل يستحضرون لحظة فارقة في وعيهم الجمعي، لحظة أعادت تعريف الهوية السياسية والشعبية لشعب قرر أن يكون صوته حاضراً مهما كانت التحديات. إنها ذكرى تحوّلت إلى رمزٍ لولادة إرادة شعبية لا تقبل التراجع ولا تعترف بأنصاف الحلول.
ما شهدته ساحة الحرية في خورمكسر يوم أمس لم يكن فعالية عادية أو حشداً تقليدياً، بل كان مشهداً سياسياً وشعبياً كثيف الدلالات. الحضور الجماهيري الواسع عكس حالة من التماسك الشعبي والتصميم على إعادة التأكيد على المواقف السابقة، لكن هذه المرة بزخم أكبر ورسالة أوضح. خرج الناس ليقولوا إن التفويض الذي مُنح سابقاً لا يزال قائماً، بل يتجدد، وأن خيارهم السياسي لم يتغير.
الهتافات واللافتات لم تترك مجالاً للغموض؛ فقد عبّر المشاركون عن دعمهم لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الممثل السياسي الذي يرونه معبّراً عن قضيتهم. لم يكن الأمر مجرد إعلان تأييد، بل تجديد لعهد، يحمل في طياته رسائل داخلية وخارجية مفادها أن الشارع الجنوبي يمتلك قراره، وأنه لن يسمح بتعدد تمثيله أو الالتفاف على قضيته.
اللافت في هذا المشهد ليس فقط حجم الحضور، بل طبيعة الخطاب الشعبي الذي امتزج فيه البعد الوطني بالقومي والديني. فالكثير من الأصوات ربطت بين الدفاع عن الجنوب والدفاع عن محيطه العربي والخليجي، معتبرة أن ما جرى ويجري يتجاوز حدود الجغرافيا إلى معركة هوية وانتماء.
وفي سياق المقارنة التي يطرحها البعض، يظهر خطاب حاد يعكس حالة من الغضب تجاه ما يُنظر إليه كتنازلات أو إخفاقات في مناطق أخرى، مقابل تمسك الجنوبيين – وفق هذا الطرح – بقضيتهم وعدم خضوعهم لإغراءات المال أو الضغوط السياسية. هذا الخطاب، رغم حدّته، يعكس شعوراً متنامياً بالفخر والاعتزاز بالهوية الجنوبية، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم الانقسام في الرؤية بين مكونات المشهد اليمني.
الجنوبيون، كما عبّر عنهم المشهد في خورمكسر، يقدّمون أنفسهم كشعب يمتلك كرامته وقراره، لا يقبل الوصاية ولا ينحني للضغوط، ويرى في نفسه نموذجاً للثبات على الموقف. “نحترم من يحترمنا ولا نقبل الذل” — عبارة تلخص فلسفة العلاقة التي يريدونها مع الآخرين، سواء داخلياً أو خارجياً.
ورغم ما يواجهه الجنوب من تحديات اقتصادية وخدمية، بما في ذلك تدهور العملة والظروف المعيشية الصعبة، إلا أن الرسالة التي خرجت من الساحة كانت واضحة: هذه الأزمات لن تكسر الإرادة الشعبية، ولن تغيّر من القناعات الأساسية.
في المحصلة، 4 مايو لم يعد مجرد ذكرى، بل محطة سنوية لتجديد العهد، وقياس نبض الشارع، وإعادة رسم ملامح المرحلة القادمة. وبين الشعارات والهتافات، يتشكل واقع سياسي جديد عنوانه الأبرز: شعب قرر أن يقول كلمته… ولا يزال.