آخر تحديث :الأربعاء-06 مايو 2026-02:26م

محمد عبد العزيز الأغبري .. الرجل الذي طوع الحديد وبنى صروح الرياضة في عدن.

الثلاثاء - 05 مايو 2026 - الساعة 04:22 م
نبيل احمد الرياشي

بقلم: نبيل احمد الرياشي
- ارشيف الكاتب


لم تكن هجرة الطبقة العاملة من شمال الوطن إلى عدن -تحديداً إبان فترة الاستعمار البريطاني- مجرد انتقال اقتصادي ومعيشي فحسب، بل شكلت أيضاً على المدى الطويل جزءاً جوهرياً من النسيج الاجتماعي والسياسي لمدينة عدن. وهو الأمر الذي دفع السلطات الاستعمارية إلى استشعار الخطر؛ خشية تنامي الروح الوطنية والتحررية المناهضة للمستعمر بين أوساط المجتمع العدني، خاصة مع تزايد أعداد القادمين. وبناءً عليه، قامت السلطات بفرض قيود تحد من تدفق الوافدين من شمال اليمن ومن المحميات المجاورة، وسعت للتقليل من اندماجهم وتكتلهم في سوق العمل.

​وعلى الصعيد ذاته، شجع الاستعمار فكرة استقدام العمالة من خارج الوطن، كالاستعانة بالأيدي العاملة الصومالية والهندية وغيرها، وعمل على ترتيب أوضاعهم وتسكينهم لدمجهم في المجتمع العدني، بما يضمن بقاء السيطرة التامة على "محمية عدن" وتلافي أي مخاطر محتملة تمس وجود المستعمر؛ ذلك الوجود الذي بدأ يتراجع فعلياً مع تصاعد وتيرة المواجهات المسلحة والمطالبة برحيل الاستعمار، والتي بلغت ذروتها بالتزامن مع قيام الثورة في شمال اليمن عام 1962م.

​عموماً، فقد شكل قدوم الطبقة العاملة الوافدة من مناطق شمال اليمن وبعض المحميات دورا مهما ومحوريا في تمتين وشائج اللحمة اليمنية، وتعزيز هويتها، والحفاظ على أواصر العادات والتقاليد الموروثة، التي كادت أن تتأثر بفعل طغيان الثقافات الوافدة غير اليمنية.


​وفي هذا السياق، يطيب لنا الحديث بإيجاز عن أحد هؤلاء الوافدين الذين قدموا من شمال الوطن إلى عدن طلباً للرزق، وهو الحاج الراحل محمد عبد العزيز الأغبري؛ أحد الشخصيات التي غدت جزءاً لا يتجزأ من حياة المجتمع العدني.

​وصل الأغبري إلى عدن في سن مبكرة، وتلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في "كريتر". وفي عام 1934م، التحق للعمل بالأجر اليومي في إحدى ورش أحواض السفن بـ "المعلا دكة" التابعة لرجل الأعمال الفرنسي "أنتوني بس". ورغم مشقة المهنة قياساً بسنه آنذاك، فقد تمكن من اكتساب خبرة فنية كافية أهلته لاحقاً لافتتاح ورشة خراطة خاصة به.

​ولم تنأَ به أعباء العمل عن أجواء رياضة كرة القدم، التي تابعها بشغف في تلك الحقبة الزاخرة، وقد تسنى له الانضمام لاعباً إلى فريق "الاتحاد المحمدي" بكريتر لفترة مؤقتة، فكانت تلك أولى تجاربه في الميدان الرياضي كلاعب، قبل أن يصبح عاشقاً للعبة وداعماً بارزاً لها.

​وفي عام 1954م، تأسس نادي "الأحرار" (النجم اللامع) برئاسة الحاج محمد الأغبري، الذي استمر في قيادة النادي حتى قرار دمج الأندية عام 1975م (دمج الأحرار والأهلي) تحت اسم "نادي التلال". ولعل تلك السنوات كانت من أسعد محطات حياته مع فريقه الذي تميز عن بقية الأندية حينها؛ بعد ان بذل قصارى جهده في خدمة النادي، ولم يبخل عليه بشيء، فكان بحق الراعي والداعم الأول له.

​كما لم يتوانَ الأغبري في تقديم كل ما يمكن لخدمة الرياضة العدنية عموماً، وكان يتلمس احتياجات اللاعبين، بل وتوفير مقاعد دراسية لهم في المدارس الخاصة على نفقته الشخصية لإكمال تحصيلهم العلمي، علاوة على توفير فرص عمل للكثيرين منهم ومنحهم الحوافز والامتيازات.

​وإلى جانب إسهاماته الرياضية، عُرف الحاج الأغبري بأعماله الخيرية ونشاطاته التجارية المتعددة في عدن. وقد حظي الفقيد (المولود عام 1920م في منطقة الأغابرة بتعز) بمحبة واحترام المجتمع المحيط به، وكان منزله العامر في عدن وجهةً ومقصداً لكل القادمين والزوار من مختلف مناطق الوطن.

​توفاه الله في 5 مايو 2003م عن عمر ناهز 83 عاماً، ويصادف يومنا هذا الذكرى الثالثة والعشرين لوفاته، رحمه الله بواسع رحمته.