آخر تحديث :الثلاثاء-05 مايو 2026-09:41م

إلى من لا تقع عليهم المسؤولية لتصل إلى من تقع عليهم المسؤولية.. ذلك غيض من فيض

الثلاثاء - 05 مايو 2026 - الساعة 05:27 م
المحامي / جسار مكاوي

بقلم: المحامي / جسار مكاوي
- ارشيف الكاتب



في ظل استمرار تعثر صرف المرتبات وتراجع قدرة المؤسسات على أداء وظائفها الأساسية، يبرز صوت الموظف العام بوصفه الحلقة الأكثر تضررًا في معادلة مختلة، حيث يجد نفسه مطالبًا بأداء واجباته كاملة دون أن تتوفر له أبسط مقومات الاستمرار. وفي هذا السياق، يفرض الواقع نفسه بقسوة على العاملين في قطاع الآثار والمتاحف، الذين لا يمارسون مجرد وظيفة روتينية، بل يضطلعون بمسؤولية سيادية تتعلق بحماية ذاكرة المجتمع وصون هويته الثقافية من العبث والاندثار.


إن العمل في مجال حماية التراث الثقافي يندرج ضمن الالتزامات القانونية والوطنية التي لا تحتمل التراخي، إذ تتطلب متابعة مستمرة، وتحركات ميدانية، وتدخلات قانونية لمواجهة التعديات والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم. غير أن هذه المهام الجسيمة تصطدم بواقع مرير، يتمثل في غياب المرتبات، وانعدام الإمكانيات، ما يجعل الموظف عاجزًا عن تغطية حتى تكاليف تنقله أو تسيير أبسط إجراءات عمله.


كيف يمكن لموظف أن يؤدي واجبه وهو غير قادر على تأمين احتياجاته الأساسية؟ وكيف تستقيم المساءلة القانونية في ظل غياب الحد الأدنى من الدعم المؤسسي؟ بل كيف تطالب الدولة موظفيها بتطبيق القانون، وهي لا توفر لهم الوسائل اللازمة لحمايته وتنفيذه؟ أسئلة تفرض نفسها بإلحاح، وتعكس حجم الفجوة بين الواجبات المفروضة والحقوق المغيبة.


ولا يقف الأمر عند حدود التعثر المالي، بل يتجاوز ذلك إلى غياب الحماية، حتى في مدينة عدن، حيث يفترض أن تكون بيئة العمل أكثر استقرارًا. إذ يجد الموظفون أنفسهم عرضة للتهديد أثناء أداء مهامهم، خصوصًا عندما يتصدون للتعدي على المال العام، في ظل ضغوط ومحاولات ترهيب لم تثنهم عن أداء واجبهم، رغم إدراكهم لحجم المخاطر التي تحيط بهم.


وفي خضم هذا المشهد، تتبدد المسؤولية بين الجهات المختلفة، وتتلاشى المساءلة، ليبقى الموظف وحيدًا في مواجهة واقع معقد، بلا سند مؤسسي حقيقي. وهو ما يمكن وصفه بأنه “غيض من فيض”، يُروى على مسامع من لا تقع عليهم المسؤولية، في حين تظل الجهات المعنية بعيدة عن المساءلة الفعلية.


إن استمرار هذا الوضع لا يمثل فقط انتهاكًا صارخًا لحقوق الموظفين، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لمنظومة حماية الآثار، ويفتح الباب أمام العبث بالتراث الوطني، ويقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. فضعف الحماية المؤسسية ينعكس بالضرورة على قدرة الدولة في الحفاظ على مقدراتها التاريخية والحضارية.


وعليه، فإن المسؤولية القانونية والإدارية عن هذا التدهور تقع بشكل كامل على عاتق الجهات المختصة، التي بات لزامًا عليها التحرك بشكل عاجل وجاد لمعالجة هذا الوضع، من خلال ضمان صرف المرتبات بانتظام، وتوفير الحماية اللازمة للموظفين، وتمكين الجهات المعنية من أداء مهامها وفقًا للقانون.


إن حماية الآثار ليست ترفًا إداريًا يمكن تأجيله، بل واجب سيادي لا يحتمل الإهمال، ولا يمكن تحميل أعبائه لموظفين مجردين من أبسط حقوقهم. فالدولة التي تعجز عن حماية موظفيها، لن تكون قادرة على حماية تاريخها.


كتب/ المستشار القانوني ـ المحامي جسار فاروق مكاوي

لدى الهيئة العامة للآثار والمتاحف – الديوان والفرع – عدن

الثلاثاء 5 مايو 2026م