آخر تحديث :الثلاثاء-05 مايو 2026-09:41م

تنهيدة! وحكاياتٌ لا تُروى الاختلاف يصنع التحول

الثلاثاء - 05 مايو 2026 - الساعة 07:32 م
صفوان القاضي

بقلم: صفوان القاضي
- ارشيف الكاتب


نشأ شابًا منذ طفولته هناك، منذ مهد البدايات في ريف إحدى القرى البعيدة عن الضوء، بين عائلته وأفراد أسرته الكادحة، بمحدود الدخل، في ظل اللاسبيل لوفرة المصادر، من ذات الطبقة الفقيرة، المتخمة بالعوز. تلك التي لم تُحظى برغد العيش بعد، لأسباب شحة المعرفة، وانعدام المهنية المطلوبة في سوق العمل، والحاجة لأبجدية الحياة.

ثمّة مجتمع منغلق عن تعاليم التربية الناجمة عن نضج، والهادفة إلى مستقبل نيّر ونجاح إيجابي مثمر. فأسس تكوين النسيج الأسري والاجتماعي هنا غير متماسك، بل لا يعرف فن التعامل في إدارة النهضة، وإنتاج الأجيال على نهج صائب، رصين بالمخزون المهني، مشبَّع بالخبرات والعلوم والمعارف. فهنا كلٌّ ينشئ عن جهل وظلام دامس، غياهب تحجب رؤية الضوء على مدى قرون من الزمن، في هذا الدرب المنحدر نحو الهاوية.

يقول: ففي الريف تحديدًا، لا يوجد بند يضمن لك حقوق بالمطلق. مثلاً، حقك في التعليم، في الحرية، في الاختيار، في الرأي، في الرغبة، في المعرفة، في الإنسانية، وفي التفكير والنجاح والفشل... إلخ. لا يوجد ما يأخذ بيدك لتنهض، ويرشدك لتتابع، ويحفزك لتغامر، فتتجاوز وتجازف لتنجو. فقط، لا شيء هنا يصنعك لتكون إنسانًا، ويصقلك لتكتمل فيك بكارة التكوين، وحصافة العقل لتصبح شخصًا راجحًا كما يجب، وكما ينبغي أن تكون بذات الإلهام والوعي والذهنية.

إلا أن ذلك لم يكن كما يجب، بل كان على العكس تمامًا، منذ الأساس، فهو مهدوم وعلى شفير الهاوية. لا يوجد ما يؤهلك لتنطلق بعزيمة، وعن إرادة وإصرار، دون خشية العواقب واستباق التوقعات. كل شيءٍ هنا ضدك، يحاول وقفك، منعك، كبح جماحك، عرقلة مسيرك، يهول لك الخسائر ويراكم الزيف، يصور لك الرحلة بجحيم لا نجاة منه، وغرق يأخذك في زوال، يدفع بك للفشل على سياقات عدة، بكل برود.

ثمّة مجتمع مُنحط! يتكاثر دون أن يتطور، ويُصدِّق دون أن يحلل، فهو هش.. لم يعتاد اللامألوف بعد. يعيش بغير وعي، ويُعلِّل بلا معرفة، يُجاري رِحلة الحياة بلا إدراك، ويُفاقم ما يخفق به تباعًا، وهكذا يستمر كعادته على نفس المنوال، لم يتغير يومًا قط.

هو هكذا وسيظل كذلك، يستدير بنفس الدائرة، يمحور دون أن يشمل، ويعلل دون أن يصوب، ويتوعد دون أن يبادر، ويفشل بلا مبرر لأسباب الفشل. وإن قال لا يفعل، لا يطبق، فقط يعزم لا يجزم، لا يؤكد أو يحقق، ويبرهن دون دلالات أو نتائج صارحة.

هنا تُعاش الحياة برمتها في قالب مختلف، عما يجب أن تبدو، أكثر رقيًا وتقدمًا وثقافةً وازدهار. فهنا تبدو الحياة أشبه بخرافةٍ قديمةٍ تمارس وفق أسلوبٌ جاهليٌ غبي، ككاهن قصد التصوف وسيلة دخل لكسب المال، وادخار رزقه بالكذب، والشعوذات القائمة على معتقدات الآخرين، بالنفع والضر، على أساس تقديم غاية الشفاء والروحانية والبركة، لثُلَّة من القطيع اللامتعقِّلة.

هكذا تنهج الحياة تفاصيلها بكل أريحية وشفافية، ولا معضلة أكبر من أن نتوانى في خوض تلك التجربة الفاشلة، وندفع باهظ الثمن بالمقابل الهابط. العمر، الأجيال، المستقبل، النتاج المستهلك، السلبية، تكرار الخطأ، وكل ما هو كائن فهو كُرس مبتذل، واكتراث فائق، تطاول غير مجدي، ونبتة دون ثمار. لم تكن الحياة هنا سوى ظل وغواية تيه لا متناهي.

يقول هذا الشاب: بعد أن كبرت وعرفت الحياة على حقيقتها، وكل الأشياء على ماهية صوابها، وأدركت أن لكل جهد ثمن، ولكل مثابر نصيب من هذا الثمن، وأدركت أن للنجاح قيمة، وأن لكلٍ منا في الحياة قصة مختلفة وهدف يجب أن يسعى من أجله، بل ويبذل قصارى جهده ليحقق رقمًا في الحياة، أو - على الأقل - يستحوذ على مفهومها الصحيح، لا أن يلوذ خلف متاهات فارغة من المعنى أساسًا.

يقول: وبعد كل هذا الجهد والعناء! وجدت الطرق أمامي تتعدد، والأبواب تتفتح، والأفق يتسع، وكل شيءٍ أمامي يتكاثر، ولا يسعني إلا أن أبارك هذا النور، والعطاء الزاخر بجوهر الحقيقة، وشاسع الغايات. يجب أن أعكف في الظلام مرة لأخرج للنور عمرًا كامل، ليتجلى كل شيءٍ بوضوح، وينبثق عن إدارك، وارتجال لمنفوعه. فليس كل شيءٍ يُشار إليه بالبنان، إنما كل الأشياء تأتي بصعوبة البحث والإجهاد والتعب، من تقصي الزيف، وهكذا ليصل كل طموح إلى مُبتغاه وغايته.

يقول: الجهل أخُ القتل! إذ لم تكن محظوظًا بالمعرفة فأنت معدمًا في الحياة، وسوف تحتال عليك القسوة، ويقصم ظهرك اليأس، وتنهشك التعاسة. سيكون كل شيءٍ محفوفًا بالمخاطر دون أدنى شك، إذ لم يكُن لديك درع واقي، يقيك من وحل هذا المستنقع الخطير في اللامبالاة.

ليس من العيب أن تعاني الفقر، وتكافح متاعب الدنيا، ومشقة العمل أو مرارة الغصة، عقب استمرارك في هذا الوجود، لا بأس بذلك على الإطلاق! ولا أدهى من ألا تتوقف لتتغير للأفضل، والأسمى والأرقى. لا مانع من أن تفشل وتحاول، فتتعثر وتنهض بعد السقوط في نهاية الأمر. إنما يمكن العيب في أن تبقى بالحضيض، دون أن تحرك المياه الراكدة، وأن لا تتشبث بأيًا كان لتنتشل أملك من بين هذا الوحل. أن تنقاد لخيب ظنونك فتهدمك المأساة من أركانك، فتصبح شبحًا دون أثر، وتمحى من ذاكرة الحيز تمامًا.

فقط لا تستاء من هشاشة الإخفاق، وأثر الصدمات، أو طول المسافات بتعاريج الدرب. كن جديرًا بالاستمرارية، لا تتوجس من المجازفة، ستصل وحدك، لا تساوم على مبدأ هذا البند، ولا تدع القيود طوق أسرك، ستتجاوز كل شيءٍ عن دهشة، وتتخطى كل عائقٍ كمعجزة، وسيبتسم لك الحظ نهاية المطاف بأعجوبة! فقط لا تنخرط في التناقض لتُصاب بخيبة.

يجب أن تتلاشى هذا المصير عن ثقة، لتكون صلبًا لا ينحني أمام الصعاب، ولا تهتز إذا شاؤوا سحب البساط من تحت قدميك، فثبات رجلٍ أمام هزائمه سيصنع الفارق بذات المعادلة، من حصيلة النصر. أن تبلغ الذروة وأنت في أوج ضعفك، فهذا بحد ذاته بطولة أسطورية، وفوز عظيم دون أدنى شك.

كن أنت! بطل قصتك، وفارس أحلامك، ونادل منجزاتك، وتاريخ نضالك، دون رجاء أو توسل الآخرين لنجدك بالسند، فما من سندٍ لك إلا أنت في هذا المسير، ولا أحدًا لك إلا أنت! وأنت فقط. لذلك بادر بالخوض في قادمك المجهول، ولا تقف ضحيةً عند محض معاضل الحياة، بل اصنع لنفسك الفارق، واحصد غايتك بعزمك واختيارك وإرادتك ورغبتك عن جدارة.