آخر تحديث :الإثنين-18 مايو 2026-02:43ص

لماذا الغياب؟

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 03:48 م
د. علي عبدالكريم

د. علي عبد الكريم


مقدمة


لا جدوى من السياسة إن ظلت تدور في حلقات الذكر، لا تأثير لها على واقع يتطلب، بل يتشوق، لوجودها الفاعل على الأرض. حتى الكتابات يخفت أثرها إن لم ترتبط برؤية وبرنامج عمل وطني متوافق عليه بين مختلف الأطياف التي ترى وتتوافق مع مثل هذا الأمر.


بلدنا يمر بأزمة مركبة لم يشهدها تاريخه السياسي، تكاد تتجاوز مفهوم الأزمة لترقى إلى مفهوم وجود الكيان الدولتي ذاته. ذلك، بالضرورة، يستدعي ـ بعد تصاعد الأحداث في الآونة الأخيرة وعلى النحو الذي شاهدناه ـ أن نؤكد على طرح فكرة تواجد إطار وطني جامع، مقره الداخل أولًا، وثانيًا يتبنى برنامجًا وطنيًا وفق أولويات متوافق عليها لتحريك الراكد السياسي المتلاطم الأمواج ضمن رؤى ومشاريع تدور منذ فترة طويلة داخل حلقات مفرغة.


أولًا: الشرعية تعاني من مشاكل وتباينات داخل مكوناتها، الأمر الذي أثر تأثيرًا بالغًا على مشروعها السياسي الوطني، وأولوية استعادة الدولة.


ثانيًا: الانتقالي ما يزال غارقًا بأوهامه، مغردًا خارج نطاقين تقتضي الضرورة والفهم التاريخي العميق إدراك فقه أولويات المشروع السياسي. بمعنى أن الضرورة التاريخية تتطلب من الانتقالي الانتقال من العزف المنفرد إلى واقع تشاركي حقيقي مع أطياف جنوبية عدة تمتلك ولها ذات الحقوق التي يصر، وما يزال الانتقالي مصرًا عليها، أي التفرد باعتباره الممثل الوحيد للقضية الجنوبية.


ثالثًا: بات الأمر من الضرورة بمكان للانتقال إلى مربع التفاهم الوطني شمالًا وجنوبًا بشأن القضية الجنوبية، ضمن عناوين تمتلك عناصر الالتقاء حولها أسسًا متينة باعتبارها قضية سياسية لها عناوينها التي لا تحلق خارج الفضاء الوطني، لكنها لا تظل أسيرة لأي فهم قاصر أو إجباري.


وهنا تحديدًا، أجدني مضطرًا لطرح وتبني مجموعة من الاقتراحات العملية التي ينبغي أن تتوافر لها عوامل النجاح، وأكاد أجزم بأنها متوافرة متى اقتنعت الإرادات التي نخاطبها بأن أساليب العمل السابقة التي درجنا عليها لم تؤتِ ثمارًا تُذكر على الأرض، ولعل من أهم أسباب ذلك ما يلي:


أولًا: تحبيذ العمل بكافة أشكاله خارج الساحة الوطنية.


ثانيًا: لم يعد ذا معنى وجود الشرعية خارج الأرض، فالشرعية كضرورة تاريخية وجودها ذو معنى على الأرض، عدا ذلك كلام آخر.


ونفس الأمر مرتبط بالأحزاب والكيانات السياسية التي تعيش على حساب ميزانية الشرعية، أن تعيد إدراجها للداخل بعيدًا عن نشاطات إصدار بيانات التأييد والإدانات. ذلك الفراغ أخلى الساحة للمشاريع الأخرى المناهضة للمشروع الوطني الغائب عن الساحة تمامًا.


هنا نتوقف لحظة لمناشدة قوى ذات تأثير تمتلك رصيدًا لدى شارعنا السياسي والثقافي وعلى المستوى الوطني، باتت مدعوة لتحويل ذلك التأثير عبر وجود فعلي لها

على الأرض، يمكن البحث والتوافق على أيسر وأصعب السبل للانتقال إلى هكذا مربع، والضرورة الوطنية تستدعي تواجد مثل هذا الخيار عبر تمثيل وتواجد فعلي على أرض الواقع.


هنا أشير، من خلال ما أملكه كمواطن، إلى طرح ما أراه مفيدًا للبلد والناس، إذ باتت الضرورة تستدعي وجوهًا تاريخية لتتواجد مرة أخرى على الأرض. أعرف أن كثيرين أُجبروا تحت لغة السلاح على ترك الساحة، لكن الساحة الآن ترفض لغة التموين ورفع السلاح. مثل هكذا تواجد بات مهمًا للبحث والتوافق حول مشاريع توافقات وطنية.


هناك أسماء، كوكبة ممن كانوا وما زالوا تحت مظلة التاريخ السياسي للبلاد، بجزئه الذي مضى وجزئه الآتي، الذي تستدعي الضرورة وجودهم بشكل أو بآخر. وجود يمتلك خبرة وتأثيرًا وتاريخًا، عناوين تؤكد ضرورة وجودهم، ليس أقلهم تأثيرًا الأخ الرئيس علي ناصر محمد، أو تأثير الأخوين محمد علي أحمد والأخ أحمد الميسري، ناهيك عن الدور التاريخي الممكن أن تلعبه شخصية وطنية كاريزمية، أقصد العزيز عبد الباري طاهر، أو ما يمكن أن يمثله تواجد الشخصية الوطنية ذات الأثر التواصلي الأستاذ يحيى حسين العرشي، كذلك ما سوف يعنيه ويضيفه وجود العزيز محمد أبو لحوم.


القائمة تطول، وليس حصرًا على من تم ذكرهم، وأعتذر لمن ذكرتهم بالاسم كما أعتذر لمن لم أذكرهم، فهم كثر، لهم إسهامات لا تُنسى، والتاريخ السياسي لبلادنا لن ينسى مكانة ودور الأستاذ محمد سالم باسندوه، إذ إن حضوره بأي شكل يراه ويحبذه يعني عودة التاريخ بأبهى صورة، حتى تزال غيوم تراكمت أفقدت البعض الرؤية الصحيحة.


ما تجاسرت على طرحه لا يستلب الآخرين، شبابًا وشابات. المرأة ما زال، كما كان، دورها أساسيًا وليس قابلًا للانتقاص أو الانتقاء حسب الأمزجة التي قتلت ولم تُثمر. فالوطن، برحلته القادمة، يصنعه الجميع، خاصة الأجيال الجديدة التي تشربت مياهًا سياسية، وإن تباينت مع تاريخ صراعات الماضي، لكنها مؤكدًا تلتقي، حسب وعيها الوطني، حول أهمية الخروج من عنق الزجاجة الذي يكاد يمزق ما تبقى من روابط الجمع والألفة بين مفاهيم ونظرات الخروج من عنق الزجاجة، أي أزمة البلد السياسية والمالية والاقتصادية والثقافية، باعتبارها أزمة هيكلية تتطلب، بالضرورة، حشدًا متقاربًا للخروج من عنق الزجاجة عبر رؤية وطنية متوافق عليها.


ضرورة التوافق والتواجد على الأرض.


التوافق على صياغة رؤية وطنية آنية ومستقبلية لا تستثني أ

حدًا.


ما طرحناه يؤكد، بما لا يدعو للشك، بأنها دعوة تسعى للخروج من نفق الحرب والاحتراب إلى واقع القبول والتعايش والتعاون بين جميع الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، خاصة دول الجوار التاريخي، بكل ما يحمله حسن الجوار من معانٍ سياسية واقتصادية وأمنية واحترام سيادة وأمن الجميع.


تلك عناوين أتركها أمام الكثيرين، وهم تأكيدًا أكثر حرصًا ووعيًا لضرورة امتلاك رؤية وطنية نخرج بها من نفق تبادل الاتهامات إلى رحاب واقع يستدعي جهد الجميع دونما مزايدات.


والله الموفق.


عدن

6 ـ 5 ـ 2026