آخر تحديث :الخميس-07 مايو 2026-02:00ص

اليمن بين قبضة الفساد وآمال التغيير: حين يصبح المواطن آخر خطوط المواجهة

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 10:38 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


على مدى عقود، ظلّ ملف الفساد في اليمن أحد أبرز العناوين التي ترسم ملامح الدولة وتحدد مسارها الاقتصادي والسياسي. ومع تعاقب الأنظمة وتغيّر الوجوه، بقيت بنية الفساد – بحسب مراقبين – راسخة في مفاصل الدولة، تتبدل أشكالها لكنها لا تتلاشى. وبين واقع معيشي يزداد قسوة، وطموحات شعب يتوق للعدالة، تبرز تساؤلات جوهرية حول من يملك القدرة على كسر هذه الحلقة المغلقة.

ثروات الدولة في قبضة النخب

تشير اتهامات متكررة من ناشطين وخبراء إلى أن موارد سيادية، مثل النفط والموانئ والمنافذ البرية، ظلت لعقود تحت سيطرة دوائر ضيقة من النافذين. هذا الاحتكار، إن ثبتت تفاصيله، يعكس خللاً عميقًا في منظومة الحوكمة، حيث تتحول الثروات العامة إلى أدوات نفوذ خاصة، وتُدار بعيدًا عن الشفافية والمساءلة.

ويرى اقتصاديون أن هذا النمط من الإدارة يعيق أي فرص حقيقية للتنمية، إذ تُفقد الدولة قدرتها على توجيه مواردها نحو الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، لتبقى هذه القطاعات رهينة الإهمال والتراجع.

استمرارية الأزمة عبر المراحل

لم يقتصر الجدل حول الفساد على حقبة سياسية بعينها، بل امتد ليشمل مراحل لاحقة، حيث يتهم منتقدون بعض مكونات السلطة الحالية بعدم اتخاذ خطوات جادة لتفكيك شبكات الفساد أو محاسبة رموزه. ويذهب هؤلاء إلى أن استمرار بعض الوجوه في مواقع القرار يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح.

في المقابل، تؤكد أطراف رسمية بين الحين والآخر التزامها بمكافحة الفساد، مشيرة إلى تحديات معقدة فرضتها الحرب والانقسام المؤسسي، ما يجعل عملية الإصلاح أكثر تعقيدًا.

كفاءات مهمّشة وإمكانات مهدورة

رغم هذا الواقع، يزخر اليمن – بحسب مختصين – بكفاءات بشرية مؤهلة في مختلف المجالات، كثير منها أثبت حضوره في دول متقدمة. إلا أن هذه الطاقات، كما يرى محللون، لم تُمنح الفرصة الكافية للمساهمة في بناء مؤسسات الدولة، في ظل هيمنة شبكات المصالح الضيقة.

ويحذر خبراء من أن استمرار تهميش هذه الكفاءات لا يؤدي فقط إلى نزيف العقول، بل يفاقم من ضعف مؤسسات الدولة ويحد من قدرتها على النهوض.

المواطن بين المعاناة والرهان على التغيير

في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، يعيش المواطن اليمني ضغوطًا متزايدة، مع ارتفاع معدلات الفقر وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما تتداول تقارير عن أنماط إنفاق مرتفعة لبعض المسؤولين، تتسع الفجوة بين واقع السلطة ومعاناة الشارع.

ورغم ذلك، يرى ناشطون أن التغيير لا يزال ممكنًا، مشددين على أن وعي المواطنين وتنظيمهم ومطالبتهم السلمية بالحقوق يمثل عاملًا حاسمًا في أي عملية إصلاح. فالتجارب العالمية، كما يشيرون، تُظهر أن الشعوب قادرة على إحداث تحولات كبيرة عندما تتوحد إرادتها.


يبقى ملف الفساد في اليمن معقدًا ومتشابكًا، يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي، والمحلي بالإقليمي. وبينما تستمر الاتهامات والانتقادات، تظل الحاجة ملحّة إلى إصلاحات حقيقية تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتفتح المجال أمام الكفاءات، وتضع حدًا لاستنزاف الموارد.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الإرادة الشعبية، مدعومة بإصلاح مؤسسي جاد، في إعادة رسم ملامح الدولة، أم يستمر الواقع على حاله، رهينةً لدوائر النفوذ ومراكز القوى التي اعتادت إعادة إنتاج نفسها مهما تغيّرت العناوين واللافتات؟

هذا هو السؤال الذي يقف اليوم في قلب المشهد اليمني. فبين إرادة شعب أنهكته الأزمات، ومنظومة فساد متجذّرة تمتلك أدوات البقاء، تتحدد ملامح المرحلة القادمة. استمرار الوضع كما هو يعني مزيدًا من التدهور الاقتصادي، واتساع رقعة الفقر، وتآكل ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. كما يعني بقاء الكفاءات خارج دائرة التأثير، واستمرار نزيف العقول نحو الخارج.

لكن في المقابل، فإن كسر هذا المسار ليس مستحيلاً. فالتاريخ الحديث يثبت أن التحولات الكبرى لا تأتي فجأة، بل تبدأ بتراكم الوعي، وارتفاع سقف المطالب، وتحوّل الصمت إلى صوت جماعي يفرض نفسه على مراكز القرار. التغيير الحقيقي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء وعي مجتمعي، وتعزيز ثقافة المساءلة، ورفض تحويل المال العام إلى غنيمة خاصة.

اليمن، بما يمتلكه من تاريخ وإمكانات بشرية، ليس بلدًا عاجزًا عن النهوض، لكنه يواجه معركة حقيقية بين مشروعين: مشروع دولة تقوم على القانون والمؤسسات، ومشروع بقاء يقوم على الفساد وتقاسم النفوذ.

وبين هذين المسارين، يبقى المستقبل مفتوحًا على كل الاحتمالات… لكن الكلمة الأخيرة، كما أثبتت تجارب الشعوب، لا تُكتب إلا حين يقرر الناس أن يغيروا واقعهم بأنفسهم.