لم تعد ظاهرة هروب الفتيات من منازلهن حكرًا على البيوت المفككة كما يعتقد البعض، بل قد تحدث حتى في أفضل العائلات. لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في البيئة بقدر ما يكمن في طريقة التعامل مع الأزمة.
في بعض البيوت، تُدار المشكلة بحكمة وهدوء، حيث يتم احتواؤها بسرعة وبعيدًا عن الضجيج والفضيحة، بينما في بيوت أخرى تُتخذ قرارات متسرعة تُقدَّم على أنها “حلول”، لكنها في الحقيقة تعمّق الجرح بدل أن تداويه.
من بين هذه “الحلول” الخاطئة:
إجبار الفتاة على الزواج من ابن عمها أو أحد الأقارب فقط لإغلاق الموضوع، وكأن المشكلة يمكن دفنها خلف باب زواج قسري. والأسوأ من ذلك، ما يحدث في بعض الحالات من إيذاء الفتاة أو حتى قتلها تحت مسمى “غسل العار”، وهي ممارسات مؤلمة ومرفوضة إنسانيًا وأخلاقيًا، ولا تمتّ للحل بصلة، بل تزيد المأساة عمقًا وتعقيدًا.
إن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في الظروف المحيطة، بل في غياب الوعي والاحتواء الحقيقي.
حين لا تجد الفتاة من يستمع لها، من يفهمها ويقترب منها بحب، قد تبحث عن هذا الاحتواء في المكان الخطأ، فتقع ضحية قرارات متسرعة أو أشخاص لا يستحقون الثقة.
لذلك، تقع على عاتق الأسرة مسؤولية كبرى في بناء جسور الثقة مع بناتهم، وتربيتهم على أساس الحب والتوجيه، لا على الخوف والتهديد. فالقرب النفسي هو خط الدفاع الأول، وهو ما يمنع الانزلاق نحو قرارات خطيرة.
وفي المقابل، تبقى رسالة مهمة لكل فتاة:
من يحبكِ حقًا لن يعرّضكِ للأذى أو الإهانة، ولن يضعكِ في موقف يمس كرامتكِ أو سمعتكِ. من يحبكِ يسعى إليكِ بالحلال، ويجاهد ليحفظكِ، وإن لم يستطع، يترككِ بكرامة ويتمنى لك الخير.
أما قرار الهروب، فقد يبدو في لحظة ما وكأنه طوق نجاة، لكنه في كثير من الأحيان يكون بداية لمعاناة قاسية وندم طويل، حين تنكشف الحقائق وتسقط الأقنعة.
ولا شيء يستحق أن تنحني له رؤوس الأهل أو تُكسر بسببه القلوب، كما أنه لا شيء يبرر أن تؤذي الفتاة نفسها أو تسلّم حياتها لمن لا يقدّر قيمتها.
الوعي، والقوة، والحفاظ على الكرامة… هي الركائز الأساسية لكل فتاة. والعمل على تطوير الذات، والثقة بأن ما كُتب لها سيأتي في وقته، وبأجمل مما تتوقع، هو الطريق الآمن وسط كل الفتن.
وفي النهاية…
يبقى التمسك بالقيم، والصبر، والثقة بالله، هو النجاة الحقيقية في عالم تتداخل فيه المشاعر بالقرارات.
ربي يصلح حال الجميع، ويكتب الخير لكل بنت.