آخر تحديث :الخميس-07 مايو 2026-02:20م

مريس .. الجغرافيا التي تدير المعركة

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 10:43 ص
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


الضالع لا تُجامل، ولا تعرف المهادنة حين يتعلق الأمر بكرامتها، هي واضحة كالشمس، من احترمها احترمته، ومن حاول النيل منها اصطدم بصلابة لا ترحم.

فالكبرياء هنا ليس ادعاءً، بل خلاصة تاريخ طويل من الثبات والتضحيات.

ومريس، قلب الضالع النابض، ليست مجرد جبهة عسكرية، بل منظومة صمود متكاملة، حيث يتحول كل موقع إلى قصة، وكل جندي إلى عنوان ثبات، وكل لحظة إلى اختبار حقيقي للإرادة.

تُعدّ مريس واحدة من أكثر الساحات حضورًا في المشهد العسكري والأمني خلال السنوات الماضية، ليس لأنها موقع جغرافي فحسب، بل لأنها تحولت إلى نقطة تماس دائمة، تتقاطع فيها التوازنات وتتشابك فيها الحسابات، في مشهد لا يعرف الهدوء ولا يغيب عنه الترقب.

هذا الثقل لم يأتِ من فراغ، بل من طبيعة الجغرافيا القاسية، ومن تعقيدات ميدانية جعلت من مريس جزءًا من معادلة أوسع تمتد داخل الضالع وخارجها.

فالجبال هنا ليست خلفية صامتة، بل عنصر فاعل يفرض إيقاعه على التحركات، ويعيد رسم خطوط السيطرة والتموضع باستمرار.

ومن قلب هذا الواقع، تأتي التحركات العسكرية الأخيرة لتؤكد أن مريس ليست في حالة انتظار، بل في حالة جاهزية دائمة.

زيارة ولقاءات اللواء أحمد قايد القبة بقيادات الوحدات المرابطة، والاجتماعات التي ضمت قادة الألوية في محور الضالع، لم تكن نشاطًا روتينيًا، بل رسالة واضحة: المرحلة القادمة تتطلب مضاعفة الجهود، ورفع مستوى الاستعداد، وتعزيز الانضباط، وتوحيد الصفوف.

ما طُرح في تلك اللقاءات من تقييم للموقف الميداني، ومراجعة للجاهزية، وخطط للتنسيق والتنظيم، يعكس عقلية إدارة تدرك حجم التحدي، وتتعامل معه بجدية ومسؤولية.

فالمعركة لا تُدار فقط على خطوط التماس، بل داخل تفاصيل التنظيم، وسرعة القرار، ودقة التنسيق، والقدرة على الاستجابة السريعة.

تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة، كونها تعكس حضور القيادة في الميدان، وحرصها على المتابعة المباشرة، بعيدًا عن التقديرات النظرية.

فوجود القائد بين الوحدات، واطلاعه على الواقع عن قرب، يمنح دفعة معنوية، ويعيد ضبط إيقاع العمل في واحدة من أكثر الجبهات حساسية.

في هذه الجغرافيا الحصينة، لا يُقاس الاستقرار بالهدوء، بل بالجاهزية، فكل تحرك يُقرأ خارج حدودها، وكل تموضع يُحسب ضمن معادلة أوسع. ولهذا، فإن التحركات الميدانية لا تأتي كرد فعل، بل ضمن عقلية تستبق الأحداث وتدير الاحتمالات.

أما مريس بطبيعتها، فلا تنتظر من يحميها. فيها رجال يدركون أن الأرض ليست مجرد مساحة، بل شرف يُصان وكرامة لا تُمس.

لذلك، فإن أي محاولة لزعزعة هذا الثبات تُقابل برد حاسم لا يعرف التردد.

هي أرض إذا وقفت، ثبتت، وإذا واجهت، حسمت، وإذا انتفضت، اقتربت من النصر حتى تفرضه.

مريس ليست ساحة للمساومة، ولا مكانًا للتجارب، بل ميدان واضح القواعد .. إما أن تكون على قدر التحدي، أو تنكسر أمامه.

ومن يقرأ تاريخها، يدرك أن الاستهانة بها مكلفة، وأنها لا تقبل أنصاف الحلول ولا تعترف إلا بلغة القوة والثبات.

مكانتها تتجاوز حدودها الجغرافية، لأنها امتدت بمواقفها، وبصلابة رجالها، وبحضورها المستمر في كل محطة من محطات النضال.

هي ليست اسمًا فقط، بل رمز، وليست موقعًا، بل موقف، لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تهابها، ولا تسعى للصراع، لكنها لا تهرب منه.

وإذا فُرضت المواجهة، تعرف كيف تُنهيها، فيها رجال لا يبحثون عن البطولة، بل يعيشونها.

لا يرفعون الشعارات، بل يرفعون الجاهزية، لا ينتظرون التحدي، بل يسبقونه.

جبالها خطوط دفاع، ورجالها منظومة صمود، وكل محاولة للنيل منها تصطدم بحقيقة واحدة .. هنا لا مساحة للضعف، ولا مجال للمساومة.

لهذا، جاءت التحركات الميدانية الأخيرة لتؤكد أن مريس لا تُدار بردود الأفعال، بل بعقلية الاستعداد المسبق.

فرفع الجاهزية، وتعزيز الانضباط، وتوحيد الجهود لدى أبنائها، ليست شعارات، بل خطة عمل.

مريس لا تصرخ بقوتها، لكنها تفرض احترامها بصمتها.

باختصار .. هذه جغرافيا، إذا حضرت، ثبتت، وإذا واجهت حسمت، وإذا قررت، لا تتراجع.