آخر تحديث :الخميس-07 مايو 2026-02:20م

خارطة الطريق اليمنية.. سلام حقيقي أم إعادة ترتيب للحرب؟

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 12:14 م
د. أحمد بن اسحاق

بقلم: د. أحمد بن اسحاق
- ارشيف الكاتب


كلما اقترب اليمنيون من سماع كلمة "سلام"، عاد السؤال القديم ليظهر من جديد:

أي سلام هذا؟

سلام ينهي المأساة فعلا، أم مجرد إعادة ترتيب للصراع بشكل أقل ضجيجا؟


حين أُعلن عن خارطة الطريق اليمنية – السعودية، بدا وكأن المنطقة تقترب من لحظة تهدئة تاريخية قد تنقل اليمن من الحرب إلى تسوية سياسية عبر ثلاث مراحل: تبدأ بوقف إطلاق النار والإجراءات الإنسانية، ثم ترتيبات سياسية واقتصادية، وتنتهي بمرحلة انتقالية وحوار شامل وإعادة إعمار.


وعلى الورق، بدت الخارطة واضحة ومتصاعدة الخطوات، لكن التجربة اليمنية تقول إن الإشكال ليس في البنود نفسها، بل في ما وراءها من توازنات وأسئلة لم يُحسم أمرها بعد.


فالمرحلة الأولى، رغم طابعها الإنساني، تطرح سؤالا مهما:

هل الهدف منها بناء الثقة بين اليمنيين، أم تثبيت الواقع القائم ومنح الأطراف فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوضاعها؟

أما الحديث عن خروج القوات الأجنبية، فيفتح بابا أكثر حساسية:

هل سيحدث ذلك فعلا؟

ومن سيملأ الفراغ بعده؟

وهل توجد أصلا دولة موحدة قادرة على فرض سيطرتها؟

ثم تأتي المرحلة الانتقالية والحوار الوطني، لكن اليمنيين يدركون أن المشكلة ليست في الحوارات بحد ذاتها، فالسؤال الذي ظل حاضرا طوال الوقت هو:

من يملك القوة على الأرض؟

ومن يملك القرار الفعلي؟

ومن يستطيع تنفيذ أي اتفاق على الأرض؟

ومن أكثر ما يلفت الانتباه أن الخارطة تتحدث عن إعادة الإعمار قبل أن يُحسم شكل الدولة نفسها:

هل نحن أمام دولة مركزية؟

أم دولة اتحادية؟

أم واقع مقسم تُدار فيه المناطق بتفاهمات غير مستقرة؟

وهنا تظل قضايا مثل الجنوب، وحضرموت، وتقاسم الثروة والسلطة، ملفات مؤجلة أكثر من كونها محلولة.


لكن الإشكال الأكبر أن الخارطة وُلدت في ظرف إقليمي مختلف نسبيا؛

حينها كانت هناك تهدئة سعودية إيرانية، ورغبة في إنهاء الملف اليمني، وأجواء أقل توترا في البحر الأحمر مقارنة بالوضع الحالي.


غير أن التطورات اللاحقة قلبت المشهد.

فالحرب في غزة، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر، وعودة الاشتباك الأمريكي الإيراني بشكل غير مباشر، كلها أعادت اليمن إلى دائرة الصراع الإقليمي والدولي من جديد.


وهكذا خرج اليمن من مسار "تسوية سياسية" إلى ساحة مرتبطة بحسابات أكبر وأكثر تعقيدا.


ومع ذلك، تبقى الحاجة إلى التهدئة اليوم أكبر من أي وقت مضى.

فالجميع مرهق:

السعودية تبحث عن الاستقرار، والحوثيون يسعون لتثبيت مكاسبهم، والمجتمع الدولي يريد تأمين الملاحة، بينما أنهكت الحرب اليمنيين اقتصاديا وإنسانيا.


لكن في المقابل، تبدو التعقيدات اليوم أكبر من اللحظة التي وُضعت فيها الخارطة أصلا.

فالجنوب يشهد توترا متزايدا، وحضرموت تمر بإعادة تموضع سياسي واقتصادي، بينما تحول البحر الأحمر إلى جزء من صراع إقليمي ودولي مفتوح.


ولهذا قد لا يكون السؤال الآن:

هل ستُنفذ الخارطة؟

بل:

هل ما زالت هذه الخارطة صالحة في ظل كل ما تغيّر؟

فالواقع يتحرك بسرعة أكبر من النصوص، وما كان ممكنا قبل عامين قد لا يكون قابلا للتطبيق اليوم بالشكل نفسه.


ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أي فرصة توقف نزيف الحرب.


لكن السلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الاتفاقات، بل بشعور الناس أن الدولة عادت فعلا، وأن القرار لم يعد موزعا بين السلاح والعواصم الخارجية.


وربما ما تحتاجه الأطراف اليمنية اليوم ليس فقط اتفاقا على بنود، بل إعادة بناء قدر من الثقة المفقودة، والاعتراف بأن لا طرف قادر على حسم المشهد وحده، وأن الحلول الكبرى تحتاج إلى قدر من الواقعية والتنازلات المتبادلة.


فحتى إن تعثرت خارطة الطريق أو تغير مسارها، فإن بقاء فكرة التسوية حيّة يظل أفضل من العودة إلى حرب مفتوحة لا يبدو أن أحدا قادر على تحمّل كلفتها.


ويبقى السؤال الأصعب:

هل المطلوب فعلا إنهاء الحرب…

أم مجرد إدارتها بطريقة أقل كلفة وأهدأ صوتا؟