منذ انقلاب المليشيا الحوثية، تشهد المنظومة القضائية في مناطق سيطرتها عملية تغيير جذري وممنهج، استهدفت تفكيك أسس القضاء المستقل وتحويله إلى أداة طيّعة تخدم أجندة سياسية وطائفية ضيقة، خصوصاً في العاصمة المختطفة صنعاء.
أحدث فصول هذا العبث تمثل في إقصاء نحو خمسين قاضياً مطلع هذا الأسبوع، في سياق حملة مستمرة لإبعاد الكفاءات المهنية واستبدالها بعناصر موالية تفتقر إلى الحد الأدنى من الخبرة القضائية. هذه الخطوة ليست استثناءً، بل امتداد لسياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ القضاء من مضمونه المهني، وإعادة تشكيله وفق معايير الولاء لا الكفاءة.
على مدى السنوات الماضية، طالت حملات الإقصاء قضاة وأعضاء نيابة وقيادات في هيئة التفتيش القضائي، تحت ذرائع متعددة، أبرزها “الولاء للشرعية” أو رفض الانصياع لتوجيهات المشرفين الحوثيين. وبالتوازي، جرى تمكين عناصر مرتبطة بالجماعة، بعضهم من “المشرفين” الميدانيين أو خريجي دورات عقائدية، ليحلوا محل رجال قانون مخضرمين، في مشهد يحول القضاء إلى ما يشبه “كتيبة عسكرية برداء قضائي”.
لم تقف الممارسات عند حدود الإقصاء، بل تجاوزتها إلى الترهيب المباشر، حيث تعرض قضاة للملاحقة والتهديد والاعتقال، بل ووصل الأمر إلى حد تصفية بعضهم، في رسالة واضحة مفادها أن الاستقلال القضائي لم يعد مقبولاً في ظل هذه السلطة.
وفي سياق إحكام السيطرة، أقدمت الجماعة على إدخال تعديلات على قانون السلطة القضائية، ألغت فعلياً ما تبقى من استقلال القضاء المنصوص عليه دستورياً، وفتحت الباب واسعاً أمام تسييس الأحكام. وباتت المحاكم، وعلى رأسها المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء، منصة لإصدار أحكام ذات طابع سياسي، تصل إلى الإعدام أو مصادرة الممتلكات، بحق معارضين وموظفين وصحفيين وناشطين، وحتى نساء، تحت لافتات فضفاضة مثل “التجسس” و”الخيانة”.
هذا التحول الخطير لا ينفصل عن هدف أوسع، يتمثل في تكريس نموذج حكم قائم على الهيمنة الفكرية والطائفية، وإضفاء غطاء قانوني شكلي على الانتهاكات ومصادرة الحقوق والأموال، بما يعيد إنتاج سلطة أحادية تتحكم في مفاصل الدولة والمجتمع.
انعكاسات هذه السياسات كانت كارثية على مستوى العدالة وحياة المواطنين، إذ أصيبت المحاكم بحالة شلل شبه كامل، وتكدست آلاف القضايا المدنية والتجارية والأسرية دون حسم، فيما يقبع آلاف الأبرياء خلف القضبان، في ظل غياب أدنى معايير العدالة.
إن ما يحدث في القضاء بمناطق سيطرة الحوثيين لم يعد مجرد خلل إداري أو تجاوزات فردية، بل مشروع متكامل لإعادة صياغة العدالة بما يخدم السلطة، ويقوض ما تبقى من دولة القانون، ويدفع بالمجتمع نحو مزيد من الفوضى وفقدان الثقة في مؤسساته.