آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-05:12م

مختار الرباش.. عندما تترجل الدولة من المدرعة لتواجه الفوضى

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 03:20 م
ابراهيم العطري

لم تكن أبين صباح أمس على موعد مع حملة أمنية عابرة، بل مع مشهد استثنائي أعاد تعريف "هيبة الدولة". المشهد بطلُه الدكتور مختار الخضر الرباش الهيثمي، محافظ أبين، الذي ترك مكتبه وترجل من مدرعته ليقود بنفسه حملة دحر نقاط الجباية غير القانونية.


الرباش لم يكتفِ بإصدار التوجيهات من خلف المكاتب المكيفة. نزل الميدان، وهشّ بيده على المتمردين على النظام، وأشرف على إيداعهم السجن أمام أعين المواطنين. في لحظة واحدة، رسم خارطة طريق جديدة عنوانها: المسؤول الذي يواجه لا يتوارى.


من محراب الأوقاف إلى ميدان الدولة

من يعرف الرجل لا يستغرب. فمختار الرباش ليس طارئاً على العمل العام. هو وكيل وزارة الأوقاف والإرشاد لشؤون الحج والعمرة سابقاً وشارك في مقاومة 2015م، الاسم الذي ارتبط بإعادة "أكبر مبلغ سعودي" إلى الحجاج بعد سنوات من الإخفاء والتسويف. يومها سهّل المعاملات، وأعان الفقراء على أداء الفريضة، وأغلق أبواب الفساد التي اعتاد البعض أن يمر منها.


بل إن مواقفه الإنسانية سبقت منصبه الجديد. فقبل أعوام، كان أول المبادرين للتكفل بتاشيرة الحج عن الشهيد فضل علي عوض العطري الصبيحي الذي نُفذ فيه القصاص الشرعي. رجل لا ينتظر الكاميرات ليصنع موقفاً.


رسائل الحملة: لا مكان للبلطجة

حملة الأمس لم تكن تستهدف بضعة أفراد عند نقطة جباية. كانت تستهدف ثقافة كاملة تشوهت فيها صورة الدولة. رسائلها ثلاث:


1- لا أحد فوق القانون: عندما يقف المحافظ في المقدمة، تسقط كل الذرائع.

2- المال العام خط أحمر: نقاط الجباية العشوائية تنهش جيب المواطن وتخلق فجوات بين أبناء الوطن الواحد.

3- المواطن أولاً: الاستجابة الشعبية الواسعة للحملة تؤكد أن الناس تعطشت لرؤية مسؤول يرفع عنها الظلم بيده.


لماذا ارتحنا له ولم نلتقِ به؟

المفارقة أن كثيرين مثلي لم يلتقوا بالرباش شخصياً، ولم تربطهم به قنوات تواصل. لكن المواقف الشجاعة لها صوت أعلى من اللقاءات. في زمن الأزمات، يصبح الفعل الصادق هو بطاقة التعريف الوحيدة التي لا تزور.


أبين اليوم تتنفس تفاؤلاً حذراً. ليس لأن أزمات الوطن انتهت، بل لأنها رأت نموذجاً لـ "رجل الدولة المخلص" الذي يجمع بين خلفية السلفي الأصيل ونزاهة المسؤول وجرأة القائد الميداني.


ختاماً: إن كانت الدولة تريد استعادة ثقة مواطنيها، فعليها أن تستنسخ تجربة مختار الرباش. نحتاج مسؤولين يترجلون من مدرعاتهم وهيبتهم، ليمشوا في الشارع ويهشوا على الفوضى بأيديهم. عندها فقط، سنوقف العبث، وننهي مظاهر البلطجة، ونرمم ما خلفته السنوات من فجوات.


إلى الأمام يا محافظ أبين.. والوطن كله يراقب ويتعلم.