آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-03:04ص

حصاد الجماجم.. حين تصبح سماء "الأفراح" مقبرة للأبرياء*

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 06:24 م
حسين سالم السليماني

بقلم: حسين سالم السليماني
- ارشيف الكاتب


في الوقت الذي تخوض فيه الدولة، تحت قيادة ربان المحافظة، المحافظ الدكتور مختار الرباش، معارك ضارية لتثبيت أركان الأمن، وتقليم أظافر العصابات الخارجة عن النظام، ومطاردة فلول الفوضى التي تنخر في جسد الوطن؛ يبرز نتوء سرطاني في منظومة السكينة العامة. إنه ثقب أسود لا تنفث فيه البنادق رصاصها نحو صدور الأعداء، بل تنفثه في كبد السماء، ليعود إلينا "موتاً راجعاً" يحصد الأرواح التي لم تقترف إثماً سوى أنها وثقت بسقف السماء.

إننا أمام ظاهرة "الموت الصامت"؛ ذلك العبث الذي يحول سماءنا، التي نرتقب منها الغيث والرحمة، إلى فوهة جحيم تقذف بالرصاص على رؤوس الآمنين، في غفلة من الضمير وفي ظل استهتار بلغ حد الصلف.

ليس من المنطق في شيء، ولا من مروءة العرب أو قيم الدين الحنيف، أن يرى "متهور" أو "متغطرس" في صليل الرصاص الحي تعبيراً عن بهجة زفاف أو نشوة احتفال. إن تلك المقذوفات التي تنطلق "طرباً" وتخرق جدار الصمت، لا تتبخر في الفضاء، بل تنحني انصياعاً لنواميس الكون لتعود بسرعة البرق، مخترقة جسد طفل يلهو ببراءة أمام منزله، أو مزارع يمسح عرق الكد في حقول مزرعته، أو صياد يحيك شباكه أمام نسمة الساحل العتيق، أو حتى شيخ نائم فوق سطحه يستجدي نسمة هواء، فإذا به يستيقظ على نصل الموت.

إن ما يحدث ليس "خطأً"، بل هو "قتل عمد" مع وقف التنفيذ؛ فمطلق النار في الفضاء يدرك يقيناً أن مقذوفه سيهوي لا محالة ليغرس في صدر إنسان أو رأس طفل، ومع ذلك يستمر في غيه وعجرفته، ضارباً عرض الحائط بكل قيم الإنسانية.

بينما تنشغل الأجهزة الأمنية بمطاردة المخربين وحماية المقدرات — وهو جهد مشكور ومثمن — يبدو أن هناك فجوة من التراخي في ملف "الرصاص الراجع". إن الأجهزة التي استطاعت كسر شوكة العصابات المنظمة قادرة بلا شك على كبح جماح هؤلاء العابثين.

إن الصمت عن إطلاق النار في المناسبات هو شرعنة للجريمة، ومساهمة غير مباشرة في إزهاق الأرواح. فإذا كان رجال المرور يرابطون في الهجير لحماية الأرواح من حوادث السير، فأين "مرور السماء" والقبضة الحديدية التي تمنع تحويل أحيائنا إلى ساحات حرب عشوائية تفتقر لأدنى معايير الأمان؟

سيادة المحافظ، إن بصماتكم في ردع الخارجين عن القانون واضحة كشمس النهار، ونزولكم الميداني لفرض الهيبة والسكينة محل فخر واعتزاز، ولكن.. "الموت الخفي بات يسرق منا السكينة، ويغتال الفرحة في مهدها".

إننا، ومن منطلق المسؤولية الوطنية والضمير الإنساني، نرفع إليكم "صرخة استغاثة" للمضي قدماً في إجراءات عقابية زاجرة تضع حداً لهذا الموت العبثي:

تفعيل العقوبات القاسية: يجب ألا يُكتفى بالتعهدات الهشة؛ فالأمر يتعلق بـ "روح" لا يمكن تعويضها. إننا نطالب بإقرار عقوبة السجن المشدد والغرامات القاصمة، وتوجيه تهمة "الشروع في القتل العمد" لكل من يضغط على الزناد في محفل اجتماعي.

تحميل أصحاب المناسبات المسؤولية الجنائية: يجب قانوناً اعتبار صاحب "العرس" مسؤولاً أصيلاً عن أي رصاصة تنطلق من محيطه، ويُعامل كشريك في الجريمة أو كزعيم لعصابة إجرام تهدد السلم الأهلي.

الاستنفار الأمني والدوريات الليلية: تكثيف الرقابة على قاعات الأفراح، وطلب عنوان منزلي "العريس والعروس" من ذويهما، حتى يتمكن رجال الأمن من البحث والتحقيق، لضبط هؤلاء المارقين، وتجريدهم من أدوات الموت قبل أن تصل مقذوفاتهم إلى صدور الأبرياء.

ليست الرجولة في ترويع الآمنين، وليس الفخر في إزهاق الأرواح لتثبت حضورك بـ "ضجيج الرصاص". إن هذا السلوك المشين هو ذروة الفوضى ومنتهى العجرفة، وعلى المجتمع — قبل السلطة — أن ينبذ هؤلاء القتلة المتسترين بيننا.

"يا أهل القرار.. أوقفوا هذا العبث، فدماء الأبرياء التي تنزف في الأزقة والبيوت هي أمانة في أعناقكم، وصرخة المظلومين تطارد كل من استطاع منع هذا الموت ولم يفعل. فهل من مجيب؟"