آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-01:48م

بين أنقرة والرياض والقاهرة .. إعادة تموضع إقليمي تتشكل بهدوء

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 06:46 م
محمد خالد الحسيني

رسائل ما بعد الصمت، أم إعادة اكتشاف الذات، أم أن المنطقة حقاً بدأت تعيد ترتيب نفسها؟ ما الذي يحدث في المنطقة؟ ولماذا تتحرك العواصم الكبرى الآن بهذا الزخم المتسارع؟ ولماذا تبدو اللقاءات المتفرقة، وكأنها أجزاء من مشهد أكبر لم تتضح صورته الكاملة بعد؟

بين أنقرة والرياض والقاهرة، مروراً بمسقط والجزائر، وصولاً إلى بقية العواصم العربية والإسلامية، يبدو أن هناك شيئاً يتشكل بهدوء بعيداً عن الضجيج.

ليس مجرد زيارات بروتوكولية، ولا لقاءات مجاملة سياسية فرضتها الظروف، بل حراك يحمل في توقيته ورسائله ما يوحي بأن المنطقة بدأت تدخل مرحلة إعادة تموضع شاملة.

ثمة إحساس متزايد بأن ما يجري ليس عفوياً بالكامل، وأن خلف هذا التقارب المتدرج نوعاً من التنسيق غير المعلن، أو على الأقل إدراكاً مشتركاً بأن المرحلة القادمة أخطر من أن تُواجه بعقلية الخلافات القديمة والانقسامات التقليدية.

التفاهمات السعودية التركية، والانفتاح الجزائري على أنقرة، والحوارات العُمانية المصرية حول مستقبل المنطقة، كلها تتحرك داخل توقيت شديد الحساسية، تتقاطع فيه الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية مع احتمالات الانفجار الإقليمي الكبير، خاصة في ظل التصعيد الأمريكي الإيراني وما يحمله من سيناريوهات مفتوحة.

المنطقة تدرك اليوم أن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة داخل حدودها الأولى، وأن النار حين تشتعل لن تفرّق بين الجغرافيا والمصالح.

ولهذا تبدو بعض الدول وكأنها تحاول استباق الفوضى، لا انتظارها.

هناك ما يشبه محاولة هادئة لإعادة ترتيب البيت العربي والإسلامي، أو على الأقل بناء خطوط تواصل تمنع الانهيار الكامل إذا ما دخل الإقليم مرحلة أكثر اضطراباً.

فالدول التي أنهكتها سنوات الصراع، بدأت تكتشف أن الاستنزاف المستمر لم يترك رابحين حقيقيين، وأن الفراغ الذي تتركه الخلافات تملؤه دائماً القوى الخارجية.

ومن هنا يمكن فهم هذا التقارب المتسارع، لا باعتباره تحالفاً مثالياً، بل كضرورة فرضتها التحولات الدولية القاسية.

فالعالم يتغير بسرعة، وموازين القوة يعاد تشكيلها، والدول التي تبقى معزولة ستجد نفسها خارج خرائط التأثير القادمة.

حتى القرارات الداخلية التي تبدو منفصلة عن هذا السياق، كقرار البرلمان البحريني تجاه بعض النواب على خلفية مواقف مرتبطة بالحرب الأخيرة مع إيران، تعكس حجم التوتر والحساسية التي تعيشها المنطقة.

فالخوف لم يعد فقط من العدو الخارجي، بل من التشققات الداخلية أيضاً، ومن إمكانية استغلال أي انقسام في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.

لكن السؤال الأهم يبقى .. هل نحن أمام صحوة حقيقية؟ أم مجرد إعادة تموضع مؤقتة تفرضها المخاوف الآنية؟

ربما من المبكر الحديث عن مشروع عربي إسلامي متكامل، لكن من الواضح أن هناك إدراكاً بدأ يتشكل داخل عدد من العواصم بأن زمن التشتت لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن العالم لا يحترم الكيانات المبعثرة مهما امتلكت من الثروات والإمكانات.

لقد أدركت دول كثيرة أن القوة الحديثة لم تعد في السلاح وحده، بل في التكتلات، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والمعرفة، والتحالفات الذكية، والقدرة على بناء المصالح المشتركة دون التفريط بالهوية والسيادة.

ولعل أهم ما يميز هذا الحراك، أنه لا يقوم على فكرة الذوبان الكامل أو التطابق السياسي، بل على محاولة خلق مساحة مشتركة تسمح بالتعاون رغم الاختلافات، وببناء شبكة مصالح تمنع الانهيار الجماعي.

فالعرب والمسلمون بدأوا، ولو ببطء، يدركون أن استمرار الصراع بينهم يعني خسارة الجميع، وأن غياب التنسيق جعل المنطقة ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية، أكثر مما جعلها صانعة لمصيرها.

ما يجري اليوم قد لا يكون نهضة كاملة، لكنه يحمل ملامح يقظة أولية، يقظة تحاول الانتقال من رد الفعل إلى صناعة الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى بناء التوازنات، ومن التنافس المستنزف إلى الشراكة التي تفرضها ضرورات البقاء.

فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى اتفاقات سياسية عابرة، بل إلى مشروع وعي طويل الأمد، مشروع يعيد الاعتبار للعلم، والبحث، والتنمية، وبناء الإنسان، وصناعة القرار المستقل، وتحصين الهوية دون الانغلاق على العالم.

وربما للمرة الأولى منذ سنوات، بدأ يتشكل سؤال حقيقي داخل العقل العربي والإسلامي .. كيف يمكن أن نعود قوة فاعلة لا مجرد مساحة تتصارع فوقها القوى الأخرى؟

قد تكون الخطوات الحالية صغيرة ومترددة، وقد تعترضها التناقضات والمصالح والحسابات المعقدة، لكن مجرد عودة فكرة التقارب والتنسيق إلى الواجهة، بعد سنوات طويلة من القطيعة والانقسام، يحمل دلالة لا يمكن تجاهلها.

فالأمم لا تنهض دفعة واحدة، بل تبدأ أولاً بإدراك حجم الخطر، ثم بمحاولة كسر الصمت.