آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-02:35ص

محافظ ابين من رفاهية المكتب إلى مسؤولية الميدان

الخميس - 07 مايو 2026 - الساعة 09:03 م
عوض عميران

في يوم الأربعاء، السادس من مايو 2026، لم تكن منطقة "حسان" بمحافظة أبين مجرد مساحة جغرافية على الطريق العام، بل تحولت إلى منصة كاشفة لجوهر الأزمة اليمنية المعاصرة. هناك، حيث تلاشت الخطابات الرنانة وحضر الرصاص المسؤول، رسم محافظ أبين مشهداً مغايراً للمألوف؛ فبإشرافه الشخصي ومباشرته الميدانية لضبط عصابة تقطع طريق شاحنات النقل، والاشتباك معهم حتى القبض عليهم، وضعنا جميعاً أمام مرآة قاسية تعكس الهوة السحيقة بين "رجل الدولة" و"موظف الامتيازات".

​القانون كمرجعية.. والواقع كمفارقة

​إن ما قام به المحافظ ليس تبرعاً أو عملاً خارج السياق، بل هو التجسيد الحي لما نص عليه قانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000م، وتحديداً المادة (41) التي تمنح المحافظ صلاحيات واسعة تجعل منه المسؤول الأول عن أمن واستقرار وحدته الإدارية؛ إذ تنص القوانين المنظمة لعملهم على أن المحافظ هو "رئيس اللجنة الأمنية في المحافظة، والمسؤول عن الحفاظ على الأمن والنظام العام، وحماية الحقوق والحريات والممتلكات العامة والخاصة". لكن الغصة الغائرة في عمق الضمير الوطني تكمن في أن يصبح قيام المسؤول بواجبه القانوني عملاً "بطولياً" يستدر الذهول والإشادة، مما يكشف حجم "التصحر الأخلاقي" الذي ضرب مفاصل الوظيفة العامة، حيث تحولت الواجبات البديهية إلى استثناءات نادرة في زمن غابت فيه هيبة الدولة.

​رمزية الحضور وبسالة الموقف

​إن التاريخ لا يخلّد الذين وقعوا المراسيم من خلف الستائر المخملية، بل يخلّد أولئك الذين غمسوا أقدامهم في وحل الواقع ليطهروا الطريق للآخرين. فعندما نرى محافظاً يواجه الرصاص لتأمين شاحنة نقل، نحن لا نرى مجرد إجراء أمني، بل نرى استعادة لرمزية القائد الذي يكسر الهيبة الزائفة للمكاتب ليمنح الهيبة الحقيقية للشارع. هذا الحضور الميداني هو "الفعل" الذي يسحب البساط من قوى خارجة عن القانون تعبث بأمن واستقرار الوطن والمواطن، ويؤكد أن القانون لا يزال يمتلك مخالب حين تتوفر الإرادة الصادقة.

​نماذج من التاريخ: الدولة هي "الحضور"

​إن القيادة "مباشرة" وليست "تقارير"، وهذا ما يخبرنا به التاريخ عبر شواهده الحية:

​عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الذي أسس لمفهوم المسؤولية المباشرة حين قال: "لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها". لم يكن عمر ينتظر وصول الشكاوى، بل كان "يعسّ" ليله ليتفقد ثغور الأمن بنفسه.

​معن بن زائدة: والي اليمن والجزيرة في العصر العباسي، الذي كان يشتهر بحزمه الميداني؛ فكان خروجه لتأمين طرق القوافل يبث الرعب في نفوس المارقين، إيماناً منه بأن الردع لا يأتي من السلاح وحده، بل من جدية السلطة التي تحمله.

​القاضي عبد الرحمن الإرياني: من ذاكرة الدولة اليمنية، الذي كان يرفض السياجات الأمنية المبالغ فيها التي تفصله عن الناس، مؤكداً أن "أمن المسؤول من أمن المواطن، فإذا جاع المواطن أو خاف، فلا حصانة لمسؤول". هذا الربط الأخلاقي هو ما يفتقده "المسؤول العبء" في عصرنا الحالي.

​عبء المسؤولية ومرارة "الفقر النخبوي"

​تكمن المرارة في أن المسؤولية أصبحت عند الكثيرين "تشريفاً للمغنم" لا "تكليفاً للميدان". والمفارقة الموجعة أن بعض مسؤولي اليوم يتعاملون مع مناصبهم كـ "إقطاعيات" لجباية المزايا، بينما كان الرئيس إبراهيم الحمدي يكسر البروتوكول ليفاجئ المقاولين والموظفين في مواقعهم، مؤمناً بأن "العين التي لا ترى وجع الناس لا تستحق أن تقودهم". إننا نعيش حالة من "الفقر النخبوي" الصادم؛ حيث أصبح المسؤول عبئاً على الوطن وارهاقاً لموارده من خلال الإنفاق غير المجدي، في حين يفتقر المواطن لأبسط مقومات الأمان على الطرقات.

​نقد النخبة المترفة: الموارد المنهوبة

​بينما ينفق "مسؤولو الفنادق" ميزانيات ضخمة على مواكب لا تسير إلا في شوارع آمنة خارج الحدود، جاءت واقعة "حسان" لتعري هذا التصحر الوطني. إن الموارد التي تُصرف على رجل دولة يواجه المخاطر في الميدان هي استثمار في "الأمن القومي"، بينما المليارات التي تلتهمها النخب المترفة المهاجرة هي نزيف في جسد وطن منهك. إن هؤلاء أصبحوا مجرد أرقام تثقل كاهل الميزانية دون أدنى إنتاجية، مما يفاقم الشعور باليتم الوطني لدى المجتمع.

​خاتمة: الميدان هو المقياس

​إن واقعة أبين يجب ألا تمر كحدث عابر، بل كنموذج يفرض معياراً جديداً للوظيفة العامة؛ فمن أراد أن يكون مسؤولاً في اليمن، عليه أن يكون مستعداً لترجمة نصوص القانون إلى "فعل ميداني"، وإلا فليترك المنصب لمن هم أجدر بحمل أمانته. لقد وضع محافظ أبين الجميع أمام مسؤوليتهم التاريخية: إما أن تكونوا رجال دولة في الميدان يستشعرون نبض الشارع، أو لتتركوا كراسيكم لمن يملك صدق الضمير وبسالة الموقف وروح الانتماء.