يجب على السلفيين الذين صعدوا الى المشهد السياسي والعسكري في المناطق المحررة أن يقرأوا الدستور والقوانين المتفرعة منه.
هذا الوجوب عيني يأثم من لا يؤديه، ولا سيما قراءة الدستور ، ثم قراءة القوانين واللوائح التنفيذية المتفرّعة من القوانين ذات الصلة بمسؤوليتهم المباشرة، ويجب أن يكون لكل واحد منهم مستشار قانوني يرجع إليه في شرح المواد التي تحتاج إلى شرح، وينبهه إلى التصرفات المخالفة للقانون.
قيامهم بهذا الواجب سيحميهم من جهة، ومن جهة أخرى سيفتح أمامهم آفاقا ذات أهمية بالغة في فقه الدولة الذي لا يجدونه في كتب الفقه التقليدية بسبب سطوة نظرية ولاية المتغلب التي سادت على مدى التاريخ الإسلامي بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة، ومنعت هذا الباب أن يدخل ضمن أبواب كتب الفقه.
وهنا خواطر أتمنى أن تصل إلى السلفيين بل إلى جميع المواطنين والمسؤولين، منها:
أ- لا يمكن لأي دولة في هذا العصر أن تقوم بلا قوانين، ومن طرائف علاقة الدولة مع السلفيين في مسألة القوانين أن الملك عبدالعزيز آل سعود وأبناؤه من بعده أدركوا أهمية القوانين لاستقرار الدولة السعودية وسيرورة عملية التنمية فيها، ولكنهم انصدموا بالسلفيين الذين كانوا يعتقدون أن القوانين تتعارض مع الشريعة الإسلامية، فلجأت الدولة إلى حيلة جميلة، وهي تغيير اسم القوانين إلى الأنظمة، فسار الأمر على ما يرام واقتنع السلفيون بعد أن قرأوا تلك الأنظمة أنها لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية.
ب- إن القوانين في الجمهورية اليمنية تقابل الأنظمة في المملكة العربية السعودية ولا مشاحة في الاصطلاح، ومما يُطمئِن السلفيين أن كليهما مستمد من الشريعة الإسلامية، فقد كان في مجلس النواب لجنة تسمى لجنة تقنين الشريعة الإسلامية، لا يمر أي قانون للتصويت عليه من نوّاب الشعب إلا بعد أن تصدر هذه اللجنة فتوى أن هذا القانون لا يتعارض مع أحكام ومبادئ وقيم وروح الشريعة الإسلامية، وهذا يدل بوضوح على أن نواب الشعب ليسوا ندا لله، وإنما هم نواب عن الأمة التي هي مناط الخطاب القرآني.
ج- قراءة الدستور والقوانين ستغير من الفقه السياسي المعتمد عند السلفيين، وسيكتشفون من هذه القراءة أن ولاية المتغلب التي يظنون أنها من الشريعة أنها ليست كذلك، وإنما فُرضت على الفقهاء فرضا بسبب قهر وسطوة الدول التي جاءت بعد الخلافة الراشدة.
هـ - سيتبين للسلفيين من قراءة الدستور والقوانين أن الإدارة السياسية الحديثة أقرب إلى حقيقة الإسلام من نظرية ولاية المتغلب التي كانت انعكاسا لفقه الحكم القهري الذي ساد بعد عصر العدالة والشوري في زمن النبوة والخلافة الراشدة، ففي سلطة الدستور والقوانين تنتقل سلطة "أولي الأمر" من الأشخاص الذين يشغلون المناصب إلى "سيادة القانون" الذي هو تعبير عن توافق الأمة صاحبة الحق في السلطة والثروة والتي هي مناط الخطاب القرآني، وبموجب هذا الفقه سيكون الضابط المعياري لطاعة أولي الأمر هو طاعة القوانين التي توافقت عليها الأمة، وهي بطبيعة الحال أمة مسلمة، وهي أولى بالسلطة والثروة من الأشخاص الذين يشغلون المناصب.
- إن الالتزام بالقانون سيضبط الأداء السلفي ويلزمه حده حتى لا يتحول المسؤول السلفي الى طاغية أو فاسد يضر سمعة الشريعة الإسلامية، ويتعدى على حقوق المواطنين.
ومن جهة أخرى الفقه بالقوانين يحمي السلفيين؛ لأنه يقطع أي سبب يتربص بهم لتصنيفهم في مرحلة لاحقة كقوى ظلامية تعيش خارج العصر، أو يترصد أخطاءهم لتصنيفات جائرة فيما بعد.
وفي الختام ينبغي أن تعلم الأمة ونخبها المفكرة أن في السلفية ميزة تميزهم عن غيرهم يمكن استثمارها للصالح العام وللاتجاه نحو العصر الحديث أشار اليها عدد من المفكرين مثل محمد عابد الجابري وغيره، وهذه الميزة لا يدركها أغلب السلفيين أنفسهم، ولكنها تتكشف لهم شيئا فشيئا... أصل هذه الميزة تنبثق من كونهم لا يخضعون لفقه الدولة العباسية التي سطت فيها المذاهب الفقهية والقراءات القرآنية وقوانين النحو والصرف، ويعودون إلى المنبع الأصلي المصفى في سياقه الذي نزل فيه.
هذا الاتجاه ليس حديثا من الألباني أو ابن باز أو العثيمين أو الوادعي بل له امتداد قديم أبرز رواده ابن حزم الأندلسي ثم ابن مضاء وابن رشد وابن تيمية وطلابه والشاطبي والصنعاني والشوكاني ورشيد رضا وغيرهم، وهو اتجاه يحمل داخله قدرا كبيرا من الفقه السياقي المرن الذي يتأقلم مع الواقع، ولا يجمد على المقررات الجامدة التي كتبها وأصلها الفقهاء والقُرّاء والأصوليون والنحاة وأهل الكلام وصبوها في قوالب جامدة وألزموا الناس بعدم الخروج منها.
د. عارف بن عبد الكلدي