منذ اختتام أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل مطلع عام 2014، أضحت الفيدرالية لدى شريحة واسعة من النخب السياسية اليمنية، خياراً حتمياً لشكل الدولة المنشودة.وفي هذا السياق يروِّج البعض للنظام الفيدرالي وكأنه الوصفة السحرية الكفيلة بمعالجة كل معضلات اليمن المزمنة، والعبور بها فورًا إلى مصاف الدول الديمقراطية المتقدمة؛ لمجرد أن هذا النظام أثبت جدواه في دول ديمقراطية متقدمة عديدة!. وفي المقابل مازال هناك تيار متوجِّس يرى في هذا التوجّه مدخلاً محتملاً لتفكيك الدولة وتهديد وحدتها.
والحال أن الانتقال من الدولة البسيطة إلى الدولة الفيدرالية ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل هو تحوّل بنيوي عميق، تتجاوز آثاره الحاضر لتطال مستقبل الأجيال. ومن ثم تبدو الحاجة ملِحّة للإجابة على سؤالين جوهريين: لماذا التحول إلى الفيدرالية؟ وكيف ينبغي أن يتم هذا التحوّل؟.عندما اختارت بعض الدول التحول إلى النظام الفيدرالي، لم يكن ذلك ترفاً سياسياً، أو اشتهاءً شخصياً، بل استجابة موضوعية لضرورات فرضها واقعها. وتاريخياً هناك سببان تقليديان يدفع دولة ما إلى التحوّل من الدولة البسيطة إلى الفيدرالية:
السبب الأول: وجود جماعات بشرية غير متجانسة عرقياً، أو دينياً، أو لغوياً... إلخ، وترغب في البقاء ضمن إطار دولة واحدة، في صيغة تضمن لهذه الجماعات الحفاظ على قدر من الخصوصية في إدارة شؤونها المحلية، وهذا ما يحققه النظام الفيدرالي.
والسبب الثاني: اتساع الرقعة الجغرافية للدولة على نحو يجعل إدارتها مركزياً أمراً بالغ الصعوبة، ومن ثم تغدو الفيدرالية النظام الأنسب لها.
ومن الواضح أن أياً من هذين السببين لا وجود له في الواقع اليمني. فالمجتمع اليمني متجانس إلى حد بعيد، فلا توجد فيه تعددية عرقية، أو لغوية، أو دينية، أو حتى مذهبية عميقة. كما أن المساحة الجغرافية لليمن محدودة.
فما هو الدافع إذَن للتفكير في النظام الفيدرالي؟!
السبب الجوهري وربما الوحيد للتفكير في النظام الفيدرالي، هو: تمركز السلطة والاستبداد بها لفترات تاريخية طويلة. ولا يوجد سبب آخر غير ذلك.
فهل يُعد هذا سبباً كافياً لتبرير الانتقال إلى النظام الفيدرالي؟
لنتفق الآن على أن هذا السبب كافٍ للتحول إلى النظام الفيدرالي!. ولكن يبقى بعد ذلك، التحدي الأكبر، وهو الإجابة على السؤال الأهم: كيف يمكن أن نجعل من هذا التحوّل حلاً حقيقياً وناجعاً للمشكلة التي استدعته، وألاّ نجعل هذا التحول باباً لأزمات أخرى أشد خطراً من المشكلة التي أُريد بهذا التحول أن يكون حلاً لها.
إن أهم ما ينبغي مراعاته، عند تصميم النظام الفيدرالي المنشود، هو الوعي الدائم، بالهدف من التحول إلى النظام الفيدرالي، وأن تتم هندسة النظام ليكون حلاً لمشكلة محددة استدعت اللجوء إليه، وهي "مشكلة تمركز السلطة والاستبداد بها". أي بوصفه علاجاً محدداً، لِعلّة معيّنة، يتم استعماله بالقدر اللازم للعلاج.
وبتعبير آخر ينبغي النظر إلى الفيدرالية كعملية جراحية دقيقة، إذا ما أجريت بناءً على تشخيص صحيح، وبأدوات مناسبة، وبالقدر اللازم والمناسب لعلاج المرض، فإنها يمكن أن تقود هذا البلد إلى استرداد عافيته، ووضعه على المسار الصحيح نحو الاستقرار والنهضة. ولكن في المقابل إذا لم يكن التشخيص صحيحاً، أو لم تكن العملية دقيقة، وبالقدر المناسب لمعالجة المشكلة؛ ربما تكون المخاطر فادحة، قد تهدد حياة المريض ذاته.
وبناءً على ذلك تصبح الحاجة مُلحّة لفتح نقاش وطني جاد وشفّاف حول القضايا الجوهرية المرتبطة بإقامة النظام الفيدرالي، وعلى وجه خاص:
عدد الأقاليم وحدودها.
هندسة النظام الفيدرالي على نحو ملائم.
المتطلبات الأولية: السياسية، والإدارية، والمؤسسية؛ المؤهِّلة للتحول إلى النظام الفيدرالي.
وكل ذلك ينبغي أن ينطلق من الهدف الواضح والمحدد للانتقال إلى النظام الفيدرالي، وهو "حل مشكلة تمركز السلطة والاستبداد بها"