رغم تحذيرات المنظمات الأممية والدولية من تجنيد الأطفال، وتوقيع قيادات المليشيا الحوثية اتفاقية في إبريل عام 2022 لتسريح من جرى تجنيدهم في السنوات الماضية، إلا أن هذه العصابة الإرهابية لا تزال مستمرة في استغلال المراكز الصيفية التي تنشئها لتجنيد الأطفال عبر عدد من الوسائل والإغراءات لعقول الأطفال الصغيرة وكذلك التهديدات للآباء واستغلال وضعهم المعيشي.
وتحوّل أكثر من 10000 مركز صيفي حوثي أُنشئ هذا العام إلى مصيدة للأطفال، وغالبية تلك المراكز ما هي إلا مراكز استقطاب، بينما يُنقل الأطفال إلى معسكرات استُحدثت في عدد من الجبال والأرياف خارج المدن الرئيسية.
وبحسب المعلومات الواردة، فإن المليشيا ركّزت في استحداث المعسكرات للأطفال على الجبال الوعرة، وحرمت حتى رعاة الأغنام من التمتع بممتلكاتهم في تلك المناطق التي مثّلت منطقة معزولة جداً للأطفال الذين يُجرى استقطابهم من داخل المراكز الصيفية.
وقال أحد أبناء صنعاء، ورمز لاسمه بـ(أبو مهران): جرى الضغط علينا وتهديدنا من قبل عاقل الحارة، والذي وضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إرسال أطفالنا إلى المراكز الصيفية، أو سيتم تصنيفنا كأعداء وعملاء ومرتزقة، ويُمنع عنا الغاز ونُحرم من التعليم في المدارس الحكومية التي لا تزال تعمل بأموالنا أيضاً، موضحاً أنه رضخ لتلك التهديدات وأرسل أولاده إلى المركز الصيفي في حي شميلة.
وأضاف: بعد أسبوع من الذهاب والعودة لأبنائي الثلاثة وابنتين، تفاجأت بعدم عودة ولدي الكبير البالغ من العمر 12 عاماً، وحين سألت إخوته أُبلغت بأنه خرج مع المشرف في رحلة ثقافية وسيتأخر، وهو ما دفعني إلى التوجه إلى العاقل، الذي هو الآخر أبلغني أن كل رب أسرة مطالب بتسليم أحد أولاده للذهاب في دورة ثقافية مغلقة، وحتى اليوم لا أعلم أين ولدي.
الواقع في المراكز الصيفية بالمدينة قد يكون أخف بكثير مما يجري في المراكز الصيفية بالقرى والأرياف، حيث يُجبر الآباء، وتحت تهديد السلاح، على تسليم أطفالهم. بل إن الأمر في القرى أكثر وضوحاً واستغلالاً لحالة الفقر والجهل للكثير من الأسر المنهكة، وبحسب سكان قرى ريفية في إحدى المحافظات الـ15 التي تتعرض للجرائم الحوثية، فإن لجنة حوثية نزلت إلى القرى والتقت بمشايخ وعقال المناطق، وأبلغوهم بشكل إجباري أن على كل أسرة تسليم أحد أطفالها للتجنيد في صفوف المليشيا.
وقال المواطن (ع. م): هناك أكثر من خمسة معسكرات حوثية استُحدثت في الجبال بمديريتنا، ومُنعنا من رعي الأغنام فيها والاحتطاب، وليس هذا فحسب، بل إن المشرفين الحوثيين أجبروا كل أسرة على تسليم طفل للتجنيد، ولم يعد الأمر مرتبطاً فقط بالمراكز الصيفية، بل إننا نُجبر على التجنيد بالقوة وتحت تهديد السلاح، فضلاً عن المراكز الصيفية التي يتم خداع الأطفال فيها، والتي هي الأخرى إجبارية.
وأفاد المواطن أن هناك أطفالاً جُلبوا من محافظات أخرى إلى مناطقنا، وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها فإن غالبيتهم من محافظات حجة وصعدة وعمران وصنعاء، وهم من طلاب المراكز الصيفية.
من جهة أخرى، أعربت عدد من المنظمات اليمنية عن قلقها المتصاعد إزاء المراكز الصيفية الحوثية التي وصفتها بـ"مصيدة الأطفال"، مؤكدة أن هذه المراكز ما هي إلا وكر لتفخيخ عقول الأطفال والزج بهم في محارق الموت.
وأعربت منظمة ميون لحقوق الإنسان عن قلقها إزاء استمرار الحوثي في إطلاق المراكز الصيفية لطلاب وطالبات المدارس في المحافظات والمناطق الخاضعة لسيطرته، مؤكدة أن تلك المراكز المغلقة والمفتوحة تمثل بيئة مناسبة للتعبئة الأيديولوجية والتجنيد.
وأشارت المنظمة إلى أن الأطفال يتلقون تدريبات على استخدام الأسلحة ودورات طائفية مكثفة، مبينة أن تلك المراكز تمثل انتهاكاً صارخاً للحق في طفولة آمنة.
كما أشارت المنظمة إلى أن الحوثي يتعامل مع طلاب المدارس (وأطفال اليمن عموماً) كمصدر ومورد ثابتين للتزود بالمقاتلين، وكثيراً ما تنشر القنوات الإعلامية للجماعة أخباراً عن دفعات من الأطفال تم تخريجهم في الدورات العسكرية والمراكز الصيفية، وتنقل عروضاً شعبية مسلحة للمجندين، معتبرة أن إصرار مليشيا الحوثي على إقامة المراكز والمخيمات الصيفية مؤشر على استمرارها في تجنيد الأطفال، في مخالفة لكل الالتزامات والتعهدات التي كان آخرها اتفاق خطة العمل بشأن وقف تجنيد الأطفال التي وقعتها مع الأمم المتحدة في 2022.
بدورها، طالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات جميع الآباء والأمهات بالحفاظ على أمن أطفالهم وعدم الزج بهم في أنشطة المراكز الصيفية التي تجعل منهم عرضة للانتهاكات، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حازمة وفرض العقوبات على كل المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان للأطفال، وفي مقدمة ذلك الانتهاكات الجسيمة الستة.
وأشارت إلى أن تلك المراكز تمارس سياسة تفخيخ عقول الأطفال والأجيال القادمة بأفكار متطرفة، كما يتعرض الأطفال في هذه المراكز للعنف الجسدي والتحرش الجنسي.
يُذكر أن الحوثي لم يقتصر تفخيخه لعقول الأطفال على المراكز الصيفية وحدها، بل إن المناهج التعليمية في المدارس النظامية بمناطق سيطرته حوّلها إلى أداة للحث على العنف والإرهاب والفوضى، حيث أدخل ضمن تلك المناهج نصوصاً وأفكاراً ودروساً تُشرعن القتل وتشجع الأطفال على الاقتتال والموت.