في دهاليز الصراعات السياسية المحتدمة، تبرز ظاهرة شديدة الخطورة تتجاوز حدود الخلاف الفكري، لتلامس حياة الناس اليومية في أدق تفاصيلها. إنها استراتيجية "إدارة الصراع بالهدم"، حيث تعمد قوى سياسية، غادرت المشهد مرغمة أو فشلت في الحفاظ على مكانتها، إلى محاولة إعادة إنتاج نفسها من خلال بوابة "تخريب الخدمات الأساسية".
معضلة الهدم وبناء "السوق السوداء"
تكمن المعضلة الحقيقية في إصرار هذه القوى على تحويل معاناة المواطن البسيط إلى "سوق سياسية سوداء". وبدلاً من أن يكون الصراع حول البرامج التنموية أو الرؤى الاقتصادية، يتحول إلى عمل منهجي يستهدف ما تبقى من مؤسسات الخدمة العامة. عبر أدواتها المتغلغلة، وعناصرها التي لا تزال تعبث في مفاصل الدولة، تسعى هذه القوى لتعطيل الكهرباء، وتأزيم إمدادات المياه، وعرقلة الرعاية الصحية، ليس لشيء إلا لإثبات "صحة رؤيتها"، أو لإقناع الشارع بأن البديل الحالي عاجز، وأن عودتها هي المخلص الوحيد من هذا الجحيم المفتعل.
ولعل ما رسّخ هذه الصورة في الوعي الجمعي اليمني، أن اسم "كلفوت" بات حاضرًا بوصفه رمزًا للتخريب الممنهج، يُستدعى كلما تعرضت منظومة الكهرباء للاستهداف والتعطيل كوسيلة ضغط في صراع الإرادات داخل اليمن، حتى تحوّل في المخيال الشعبي إلى مرادفٍ لسياسات إنهاك الناس عبر ضرب الخدمات الأساسية.
والمفارقة الصارخة هنا هي أن هذه القوى نفسها قد مُنحت، في محطات سابقة من تاريخنا المعاصر، الوقت الكافي والفرص الذهبية لإثبات جدارتها. لكنها أخفقت في تقديم نموذج يُقنع المجتمع أو يرسخ قيم الدولة. واليوم، وبدلاً من الانكفاء لمراجعة أخطاء الماضي والاستفادة من دروس الفشل المريرة، نجدها مصممة على إعادة إنتاج الطريق ذاته، بكل ما يحمله من ظلام ومقامرة بالمصالح الوطنية العليا.
استراتيجيات التسلل عبر الأزمات
إن ما يحدث ليس مجرد صدفة أو سوء إدارة عابر، بل هو "تخريب ممنهج" يتبع تكتيكات مدروسة:
الاستثمار في الأنين: يتم تحويل نقص الخدمات إلى مادة دسمة للماكينات الإعلامية، لتكريس حالة من الإحباط الجماعي التي تخدم أجندة "العودة القسرية".
التغلغل والتعطيل: استخدام العناصر الموالية داخل البيروقراطية لتعطيل سلاسل الإمداد أو تأخير القرارات الحيوية، مما يجعل التخريب يبدو كأنه "ترهل إداري"، بينما هو، في جوهره، فعل سياسي كيدي.
تآكل الشرعية الأخلاقية: إن الرهان على تعميق الأزمات المعيشية قد يحقق مكاسب تكتيكية آنية، لكنه يدمر جسور الثقة مع المجتمع. فالسلطة التي تسعى للوصول فوق أنقاض الخدمات الأساسية، تفتقر للشرعية منذ لحظة ولادتها.
نضج الدولة مقابل عبث الهواة
إن النجاح السياسي الحقيقي لا يُبنى أبداً على إفشال الآخرين أو طعن الوطن في خاصرة خدماته الحيوية. فالقوة التي تطمح بصدق لاستعادة ثقة الناس، لا ينبغي أن تراهن على تعميق جراحهم، بل على قدرتها على صناعة "الأمل" وتقديم مبادرات عملية تعكس نضجاً سياسياً ووعياً عميقاً بمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.
يجب أن تظل الاحتياجات الأساسية للمواطن — من دواء وخبز وأمن — منطقة محايدة ومقدسة، بعيدة كل البعد عن "تصفية الحسابات". إن الوعي الشعبي اليوم هو الحصن الأخير؛ فعندما يدرك المجتمع أن معاناته ليست قدراً محتوماً، بل هي "صناعة سياسية" خبيثة، تسقط الأقنعة وتنكشف حقيقة الطامحين للعودة على حساب جوع الناس ومرضهم.
إن المفارقة الأكثر إيلامًا أن كل ذلك يحدث في ظل غياب واضح للرقابة الحكومية المفترض بها حماية المصالح الوطنية والمؤسسات الخدمية، والدفاع عن المكتسبات العامة من العبث المنظم الذي يستهدف الوطن والمواطن معًا. فالدولة لا تُقاس فقط بوجود السلطة، بل بقدرتها على حماية الخدمات العامة، وصون الاستقرار، والضرب بيد من حديد على كل من يحوّل نفسه إلى أداة لتخريب المؤسسات وتعطيل مصالح الناس، بما يهدد أمن المجتمع والمصالح العامة والخاصة.
إن مواجهة قصور الوعي السياسي لدى بعض القوى اليمنية لا ينبغي أن تُدار بمنطق ردود الأفعال والانفعال اللحظي، بل عبر مشروع وطني جاد يعيد بناء كفاءة الدولة ومؤسساتها. يبدأ ذلك بتطوير أداء المنظومة البيروقراطية، وإخضاعها لمعيار المصداقية الأخلاقية والكفاءة المهنية، مع تحصينها من اختراق قوى التخريب الداخلية والخارجية.
كما أن المرحلة تفرض على الحكومة مراجعة حالة الاستسلام لفلسفة "الأمر الواقع" وثقافة "ليس بالإمكان أبدع مما كان"، عبر تبني تخطيط أكثر طموحًا وواقعية يهدف إلى رفع مستوى الخدمات الأساسية، وتعزيز قدرتها على الصمود والاستجابة، ووضع بدائل إسعافية تضمن الحد الأدنى من الخدمات في أوقات الأزمات والطوارئ، حتى لا يبقى المواطن رهينة الفشل الإداري أو الابتزاز السياسي.
ختاماً؛ إن القيادة هي فن صناعة الحلول، لا افتعال الأزمات. والقوى السياسية التي تظن أن الظلام هو وسيلتها الوحيدة لتسويق نفسها، ستكتشف في النهاية أن الشعب الذي يعاني في النور، لن يثق أبداً بوعود تأتيه من غرف التخريب المظلمة. إن الطريق إلى قلوب الناس يمر عبر التنمية والبناء، أما طرق الهدم فلا تؤدي إلا إلى مزيد من السقوط التاريخي.