تحولت الأسواق المحلية إلى ما يشبه مسرح "العبث"، حيث تسقط القوانين الاقتصادية وتصعد لغة الجشع. لم يعد العرض والطلب هو المحرك، بل نزوات "لوبيات" منظمة لا تشبع، ترسم مشهداً سريالياً تذوب فيه قيمة العملة، وتتضخم معه معاناة المواطن البسيط في مأساة إنسانية يندى لها الجبين.
*المفارقة المُرة: عملة تهبط وأسعار تأبى النزول*
لقد عشنا فصول الانهيار المرير حين تهاوى الريال اليمني أمام السعودي، حتى لامس عتبة الـ *76,000 ريال* (لكل مائة سعودي)، وهي اللحظة التي جنت فيها أسعار المحروقات؛ فتجاوزت صفيحة البنزين حاجز الـ *30 ألفاً*، وصعد الغاز المنزلي والسيارات إلى مستويات قياسية.
لكن الصدمة الحقيقية تجلت عقب التحولات السياسية الأخيرة؛ فبينما استبشر الناس خيراً بتراجع سعر الصرف إلى حدود الـ *40,000 ريال* (للمائة السعودي)، أبت الأسعار إلا أن تظل في برجها العاجي. إنها سلوكيات تشبه "دودة البلهارسيا"؛ طفيليات تتكاثر ذاتياً في مستنقعات الفوضى، وتنمو بمعزل عن منطق التكلفة والربح، متجاهلة أي تعاف في قيمة العملة.
*غياب الرقابة وتشرذم الأرقام*
كيف يقبل العقل أن يقفز سعر غاز السيارات إلى *13 ألف ريال* في وقت تتعافى فيه العملة؟ وكيف نبرر هذا الفصام الجغرافي، حيث يباع الغاز في عدن بـ *9 آلاف* بينما تنهشه مخالب الجشع في بقية المحافظات؟ هذا التخبط يضع الجهات الرقابية في قفص الاتهام؛ فإما أنها تغط في سبات عميق، أو أنها باتت شريكاً صامتاً يبارك استنزاف جيوب الفقراء.
*لعبة المصالح..*
ما يجري في أروقة البنوك وكواليس المال ليس مجرد صدفة، بل هو "تخادم" مريب بين قوى الداخل والخارج. يُترك الشعب في الشمال ضحية لعصابات السلاح، وفي الجنوب فريسة لفساد مؤسسي ينخر جسد الدولة.
*أين هي الشرعية الدولية من هذا "الموت الصامت"؟ وكيف تنظر حكومة المحاصصة إلى شعب يصارع الجوع؟*
لقد انتظر المواطن من التحالف والشرعية طوق نجاة، لا أن يصبح شبح المجاعة هو الحقيقة الوحيدة التي تطرق الأبواب.
*رسالة إلى سدنة الحكم*
إلى الوزراء، المحافظين، وقادة المعسكرات المتخمين خلف المكاتب الوثيرة: إلى أين تقودون هذا الوطن؟
إن كنتم تراهنون على صمت الشعب، فاعلموا أن الصبر إذا نفد، فلن تجدوا كراسي تحكمونها ولا بلداً تمثلونه. هل هي خطة ممنهجة لقتل الشعب ببطء؟ أم أنكم رتبتم طرق هروبكم ومقاعدكم في الخارج لتعيشوا في رغد العيش؟
تذكروا جيداً: إن التحالف الذي تعولون عليه، قد يبيعكم بأبخس الأثمان حين يبلغ سيل الفساد زباه وتضيق عنق الزجاجة بالجميع.