حسين علي باهميل
لم يعد اليمن اليوم رهينة مشروع وطني، ولا أسير مؤسسات دولة، بل تحول — في نظر كثير من الناس — إلى رهينة لقرى صغيرة تحكم مصير شعب كامل، وتقرر الحرب والسلم، وتتحكم برقاب الملايين.
قرية مران في أقصى الشمال، وقرية زبيد في أقصى الجنوب، وكأن اليمن بكل تاريخه وجغرافيته وثقله الحضاري اختُزل في جغرافيا ضيقة وعقلية أكثر ضيقاً.
السؤال المؤلم ليس كيف صعدت هذه القرى، بل كيف سقطت المدن؟
كيف تراجع المثقف، وغاب المناضل، وصمت الثائر، بينما تقدم أصحاب العصبية والسلالة والمناطقية والمصالح الضيقة ليتحكموا بمصير وطن كامل؟
أين أبناء صنعاء وعدن وتعز وحضرموت وشبوة وأبين وإب والحديدة؟
أين النخب التي كانت تملأ الساحات خطابات عن الحرية والجمهورية والدولة المدنية؟
أين أحفاد ثوار سبتمبر وأكتوبر؟
كيف أصبح القرار الوطني يُدار بعقلية القرية، لا بعقلية الدولة؟
المشكلة ليست في القرية كمكان، فالقرى كانت دائماً مصنع الرجال والقيم والبساطة والشهامة، لكن الكارثة حين تتحول عقلية القرية إلى مشروع حكم، وحين يصبح الولاء للشيخ أو السلالة أو الجماعة أهم من الولاء للوطن.
في الشمال، تحولت الجماعة القادمة من مران إلى مشروع فوق الجمهورية، يبتلع الدولة باسم الحق الإلهي، ويعيد اليمن إلى عصور الإمامة والكهنوت، ويحوّل المواطن إلى تابع لا شريك.
وفي الجنوب، ظهرت مشاريع أخرى تريد احتكار التمثيل والقرار والثورة والقضية، حتى أصبح من يخالفها خائناً أو عميلاً أو خارجاً عن الصف، وكأن الجنوب ملكية خاصة لا وطن يتسع للجميع.
وهنا تكمن المأساة الكبرى:
حين تنتصر القرية على الوطن، والطائفة على الدولة، والجماعة على الشعب.
لم يعد اليمن يعاني فقط من الانقلاب أو الفساد أو التدخل الخارجي، بل يعاني من انهيار النخبة نفسها.
الكثير من المثقفين تحولوا إلى أبواق، والكثير من المناضلين باعوا تاريخهم مقابل منصب أو راتب أو حماية، والبعض اختار الصمت خوفاً أو يأساً.
أما الجماهير، فقد أُنهكت بالحرب والجوع والانقسام حتى أصبحت تبحث عن النجاة الفردية، لا عن خلاص الوطن.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
لا مران ستبني دولة، ولا أي قرية أخرى ستصنع وطناً إذا قامت على الإقصاء واحتكار الحقيقة والقوة.
الأوطان لا تُدار بعقلية العائلة، ولا بمنطق السلالة، ولا بثقافة “فوضناك” و”القائد الملهم”، بل بالمؤسسات والعدالة والشراكة واحترام الإنسان.
اليمن لن ينقذه ساحر، ولا قائد معصوم، ولا جماعة مقدسة.
اليمن سينقذه وعي الناس حين يدركون أنهم أكبر من القرية، وأكبر من الطائفة، وأكبر من الزعيم.
سينقذه جيل يرفض أن يكون أداة بيد مشاريع الخارج، سواء كانت فارسية أو غيرها، ويرفض أيضاً أن يتحول إلى وقود لصراعات الآخرين.
ويبقى السؤال المفتوح والمؤلم:
إلى متى سيظل وطن عمره آلاف السنين رهينة قريتين؟
وإلى متى سيبقى اليمنيون ينتظرون من ينقذهم، بينما الخلاص الحقيقي يبدأ يوم يقرر الشعب أن يستعيد وطنه من الجميع؟