آخر تحديث :الإثنين-11 مايو 2026-11:43ص

اليمن عمق إستراتيجي لدول شبه الجزيرة العربية والخليج

الإثنين - 11 مايو 2026 - الساعة 10:01 ص
العميد د. / سعيد محمد سيف الفقيه

اليمن التي تمر حالياً بظروف عدم استقرار وإضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية شاملة تظل - برغم برغم كل ذلك - العمق الإسترتيجي لدول شبه الجزيرة العربية والخليج من عدة أبعاد ومستويات ، جغرافية ، أمنية، تاريخية واقتصادية.

وتتمثل أهم عناصر قوة وأهمية اليمن من منظور إستراتيجي في الآتي:

الموقع الإستراتيجي :

يقع اليمن في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، ويشرف ويسيطر على مضيق باب المندب الذي يعد واحدا من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن ، وإن أية أضطرابات هناك تؤثر بصورة مباشرة على حركة التجارة والطاقة القادمة من دول الخليج والمتجهة إلى أوروبا.

البعد الجيو سياسي :

يرى باحثون في الشأن العربي واليمني بأن واحدا من أسباب نشوب الازمة والصراع في اليمن يعود إلى طبيعة التباين النظمي السياسي بين اليمن ودول الجوار العربي المباشر، من حيث شكل الدولة ونظامها السياسي الذي ألقى بظلاله على مشهد العلاقات السياسية مع دول المنطقة مؤثرا بطبيعة الحال على تفاعل اليمن سياسيا مع جيرانه من حيث أختلاف النظم ، ليس السياسية فحسب ، بل وحتى الاقتصادية والأمنية، وبدلا من تأطير ذلك كخصوصية يمنية معاصرة لزم التعامل معها من منطلق التعبير الحضاري المعاصر للشخصية اليمنية المستقلة، عد ذلك هاجسا وتحديا نظميا للنظم السياسية المقابلة في المنطقة، الامر الذي أدى في مخرجاته إلى تصاعد وتيرة التحديات حتى تحولها إلى تهديدات ووصولها إلى الازمة الحالية التي تشهدها اليمن منذ نحو عقد من الزمن، الامر الذي يحمل في مضمونه ومفرزاته تهديدا مباشراً للامن القومي العربي عموماً والخليجي على وجه خاص الأمن القومي الخليجي.

أثبتت الأحداث الأخيرة بأن استقرار اليمن ينعكس على أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وذلك بسبب التداخل الجغرافي والحدود الجغرافية المشتركة فضلا عن التداخل السكاني والقبلي والجغرافي. ولهذا يُنظر تاريخيًا إلى اليمن باعتباره خط الدفاع الجنوبي لشبه الجزيرة العربية والخليج ، بينما يُنظر إلى الفوضى والإضطرابات فيه كتهديد يمتد أثره إلى دول الجوار الجغرافي العربي ، وهذا ما أثبتت الأحداث الأخيرة جديته، غير أن هذا التهديد ومن منظور إستراتيجي سوف يتعاظم خطره على المدى الإستراتيجي القريب والمتوسط إتساقا مع المخطط الدولي الذي يهدف في مفهومه ومنطلقاته إلى إحلال مفهوم الشرق أوشطية محل الإنتماء والهوية العربية ، وإذكاء الصراعات المذهبية والإثنية، وشيوع المتناقضات في العلاقات العربية - العربية ، وتشتيت مراكز الثقل السياسي العربي ، وصولا إلى تنفيذ خريطة الشرق الأوسط الجديد أو الموسع التي من أسسها وأهدافها تجزئة المجزأ وذوبان الكيان العربي في هوية جغرافية شرق أوسطية جديدة، يكون لإسرائيل وقوى أقليمية أخرى الدور الفاعل في توجيه التفاعلات والعلاقات والسيطرة والهيمنة الحضارية لصالحها

العمق السكاني والبشري:

اليمن يمتلك كثافة سكانية كبيرة مقارنة بمعظم دول الخليج، إضافة إلى إرث حضاري وثقافي وتاريخي مجيد ، فهو لسان العرب وأصلهم وامتدادهم الحضاري ، ويرى الباحثون في الفلسفة الاستراتيجية بأن هذه الثروة البشرية تمثل عنصر توازن إستراتيجي ، ليس لليمن فحسب ، وإنما للمنطقة برمتها ، اذا ما تم إستثمار طاقاتها النشطة والفعالة في إحداث نهظة تنموية إقتصادية شاملة، وبما يعود بالنفع والمصالح المشتركة على دول المنطقة كافة.


البعد الاقتصادي والتجاري:

إن الموانيء اليمنية على تعددها ، وفي مقدمتها ميناء عدن الدولي الاسترتيجي تمثل وتحتل موقعاً تجارياً مهماً ، وحيث يمكن للموانيء اليمنية أن تشكل رئة بحرية وتجارية داعمة لاقتصادات المنطقة ، اذا دعمت دول الجوار العربية وساهمت في استتباب واستقرار الأوضاع السياسية والأمنية سبيلا للاستقرار الشامل في اليمن وعلى كافة المستويات والاصعدة.


البعد العسكري الاستراتيجي :

إن تعاظم التدخلات الخارجية ، الإقليمية منها والدولية في منطقة البحر الأحمر وفي اليمن يؤدي بالضرورة إلى التأثير والانعكاس السلبي على حركة الملاحة والطاقة المتدفقة عبر مضيق باب المندب، تماماً كالاحداث الجارية الحالية، وما يشهده الاقتصاد العالمي من أزمة ارتفاع أسعار الطاقة ارتباطا بالإضطراب العسكري والامني في مضيق هرمز، ولذلك فأن حل أزمة اليمن يعد أولية لدول مجلس تعاون الخليج العربي باعتبار ذلك جزءاً من توازنات الأمن الإقليمي، وليس مجرد أزمة داخلية يمنية.



التاريخ والمصير المشترك :

اليمن تاريخيًا جزء أصيل من محيط الجزيرة العربية والخليج ، بالنظر إلى التفاعلات والامتدادات الحضارية ، القبلية منها ، الإجتماعية ، والثقافية، والدينية ، وأيضا الأمنية بالمفهوم الشامل للأمن، السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، العسكري ، والتكنولوجي كسمة بارزة للتطور التقني المعاصر.

لكن وفي المقابل فأن استمرار ضعف الدولة اليمنية وبقاء الأزمة اليمنية بدون حل يجعل هذا العمق الإستراتيجي العربي يتحول إلى مصدر استنزاف أمني واقتصادي لدول الجوار العربي، وعلى وجه الخصوص ، المملكة العربية السعودية الشقيقة والتي وبلا شك تعمل وسوف تعمل وبكل ما أوتيت من قوة تأثير ونفوذ على المساعدة في إرساء مداميك السلام والامن والاستقرار في اليمن على قاعدة المصالح والأهداف المصيرية المشتركة باعتبار أن يمنا قويا مستقرا يمثل عامل امن واستقرار للمملكة وللاشقاء في دول شبه الجزيرة العربية والخليج.

الخلاصة والسؤال الإستراتيجي :

غالبًا ما يُطرح سؤال مهم في الدراسات الإستراتيجية:

هل مصلحة دول شبه الجزيرة العربية والخليج تكمن في يمن ضعيف يمكن احتواؤه ؟ أم يمن قوي ومستقر يمكن أن يتحول إلى عامل أمن واستقرار وعمق إستراتيجي لدول المنطقة ؟؟؟

وحيث أن هذا السؤال والمشكل ظل حاضرًا وبقوة في السياسة الإقليمية والدولية منذ عقود .