آخر تحديث :الثلاثاء-12 مايو 2026-02:14ص

مابين الهوية المزيفة والحقيقية

الإثنين - 11 مايو 2026 - الساعة 10:44 م
حسين احمد الكلدي

عشت قرابة الثلاثين عامًا في مجتمعات مغلقة، مكبّلة بعادات وتقاليد معقّدة، نُقلت إلينا من عصور غابرة، وما زلنا نمارسها دون وعي أو تفكّر، رغم أنها لا تمتّ إلى حقيقتنا بصلة، ولم تُسهم في ازدهارنا الفكري أو الروحي. وكنا نتلقّى تلك الأفكار على أنها مراجع ومسلمات لا جدال فيها، نتيجة غياب المعرفة بالمجتمعات الأخرى البعيدة عنا، وعدم التواصل أو الاختلاط المباشر بتلك الشعوب. فترسّخت بداخلي تلك الأفكار والمعتقدات التي اكتسبتها بالوراثة والنقل منذ الطفولة، وظلّت ترافقني حتى مرحلة الشباب، ولفترة طويلة من حياتي. وعندما شاءت الظروف أن أسافر خارج نطاق البيئات التي نشأت وتربّيت فيها، وانتقلت إلى مجتمعات أخرى شبه مفتوحة، وجدت مساحة كافية للتحرّك والتواصل بصورة أكثر وضوحًا تتسم بروح من المحبة والإنسانية. وعندما اختلطت بالناس أكثر، أثناء العمل والتعرّف على عاداتهم وتقاليدهم، شعرت منذ الوهلة الأولى بوجود اختلاف واضح. ففي بداية الأمر، كانت الحواجز التي عشتها سابقًا تعيقني عن التأقلم والتواصل معهم بسلاسة، عندما حاولت الاندماج في تلك المجتمعات والعيش بالمستوى ذاته. كنت أخشى فقدان هويتي أو أن يُساء فهمي، ولذلك فضّلت في البداية أن أعيش معهم على سجيّتي دون الولوج والاندماج ومع مرور الوقت، وبعد أن عشت في تلك البلدان فترات طويلة، أدركت من خلال التواصل العميق معهم أنهم أكثر قربًا منا، سواء في المعتقد أو في الروح الإنسانية والمجتمعية. وأثناء التواصل والعيش بينهم، شعرت بالأمان والامتنان والطمأنينة، إذ انكشفت لي ذاتي الحقيقية، وعبّرت عن مشاعري تجاه صراعاتي، وبدأت أتصالح مع نفسي، وخلعت الأقنعة التي كنت أرتديها، وفضّلت أن أكسر القيود التي كانت تكبّلني وتغلقني، وتجعلني أرفض أن أعيش بشخصية مزيفة.

وفي تلك الحالة انسجمت أفعالي تمامًا مع قناعاتي، فعشت بلا تصنّع ولا تكلّف، وشعرت بذاتي الحقيقية في أنقى حالاتها، دون تشويه أو تحريف. وبدأت أتواصل مع تلك المجتمعات التي كنت أذهب إليها وأعيش بينها بكل أريحية، دون تردد أو خوف أو ضعف أو تشوّش فكري. وبهذه الحالة سمحت للآخرين برؤية حقيقتنا وحقيقة معتقداتنا من خلال تعاملنا الواضح معهم، وتُعدّ هذه استجابة بشرية طبيعية. قد يبدو ذلك في البداية أمرًا مخيفًا، خوفًا من رفض خارجي قد ألقاه، لكنني شعرت بتأثير إيجابي عميق للخطوات التي اتخذتها نحو إظهار منهجي وحقيقتي في هذا العالم. وبذلك خلعت تلك الظنون التي كانت تكبّلني وتغلقني وتخيفني من الاندماج، عندما رفضت أن أحيا بشخصية مزيفة لا تعكس حقيقتنا، ولا تعبّر عن قيمنا ومبادئنا واحتياجاتنا، ودون أن نتنازل عنها في سبيل نيل رضا الآخرين. وأعتقد أن الاستمرار في ذلك يُعدّ استنزافًا لطاقاتنا ولذواتنا، ويقودنا إلى الإحباط حتى يفقدنا إحساسنا العميق بالرضا عن أنفسنا. أما أن تكون حقيقيًا، فإن ذلك يمدّك بالقوة ويمنحك الحرية، ويغمرك بطاقة إيجابية تمكّنك من مواجهة العالم بثبات، دون أن تزعزعك آراء الآخرين أو معتقداتهم عنا، تلك التي كثيرًا ما نتوهّمها فنبتعد عنهم. وأدركت أن التعبير عن ذاتك الحقيقية هو المفتاح الوحيد لبناء علاقات صادقة، وإحساس عميق بالحب. وفي الوقت ذاته شعرت بالتأثير الإيجابي العميق الذي حدث نتيجة التواصل مع تلك المجتمعات. ولذلك يجب أن ندرك أن اختلاف وجهات النظر لا يلغي الحقائق التي تعكس جوهرنا. في الحقيقة، بدت لي تلك الحياة مغرية جدًا، وغرست بذور الحقيقة الجديدة الشافية عميقًا بداخلي، ولهذا أصبحت أكثر استعدادًا لتلقّي الحب ومنحه لمن حولي،حين أكون أقرب إلى ذاتي الحقيقية.

حسين بن أحمد الكلدي

10 May 2026