وسط ترقب شعبي يمزج بين الأمل المشوب بالحذر وبين التمسك بالمكتسبات التي عمدت بالدماء طيلة عقد من الزمن ، يأتي هذا الحوار الذي ليس مجرد جولة تفاوضية بل هو محطة لترميم الثقة ووضع مداميك المستقبل في ظل واقع إقليمي معقد يفرض على الجميع لغة المصالح والواقعية السياسية.
إن المتأمل في المشهد الجنوبي يدرك أن العشر سنوات الماضية كانت عهدا ممهورا بالدماء والتضحيات الجسيمة التي لا تقبل المساومة ، واليوم وبينما تلوح في الأفق بوادر حوار ترعاه المملكة تبرز الحاجة الملحة للاعتراف بأن الجفاء أو الخلاف الذي شاب العلاقة بين الجنوبيين والمملكة في آونة سابقة لا يجب أن يتحول إلى قطيعة دائمة تهدم ما بني ؛ بل يجب أن يكون منطلقا لتصحيح المسارات على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة... فالحوار مع الجار يمثل ضرورة حتمية ليس من باب الاستسلام للضغوط بل من باب الواقعية السياسية التي تحمي المكتسبات وتمنع الخصوم الحقيقيون من الاستفراد بساحة القرار.
ما ينتظره الجنوبيون من هذا الحوار ليس تجديدا للوعود أو صياغات فضفاضة ترحل الأزمات وإنما ينتظرون إعادة صياغة للمستقبل تنطلق من الاعتراف بالحق الجنوبي الراسخ..
وإن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز الحسابات الضيقة والابتعاد عن بيع الوهم والوقوف بصدق أمام المرآة ؛ فالمصالح الدولية الكبرى تتحرك وفق بوصلة استراتيجية ، وواجبنا أن نكون جزءا أصيلا من هذه المعادلات بذكاء وحكمة دون التفريط في جوهر القضية التي دفع لأجلها الشهداء أرواحهم..
والمخرج الوحيد الذي يليق بحجم المعاناة والآمال هو الاتفاق على إيجاد مظلة سياسية وطنية تتجاوز عيوب المحسوبية وسياسات الإقصاء التي أرهقتنا طيلة الأعوام الماضية... فنحن الآن بأمس الحاجة إلى قيادة وطنية جامعة شريفة ونزيهة تحافظ على شعرة معاوية مع المحيط ؛ لضمان استعادة الدولة الجنوبية المنشودة.
إن الرهان اليوم على الحكمة الجنوبية في إدارة دفة الحوار لتثبيت حق الدولة والحفاظ على المنجزات ، فالتراجع عن مكتسبات العقد الأخير هو عودة لمربع الصفر وهو ما لن يقبله شعب روى ترابه بالدم، ولن ترتضيه قيادة تحمل في ضميرها عهد الشهداء.