هناك نوع من المسؤولين يشبهون الممثلين الذين يحفظون أدوارهم جيدًا قبل الصعود إلى المسرح، يصرخون، يلوحون، يطالبون، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم المنقذين.
لكن ما إن تُفتح لهم أبواب السلطة، حتى يتبخر ذلك الصوت العالي، ويذوب ذلك الحماس الذي كانوا يملؤون به الدنيا ضجيجًا.
قبل السلطة كان يقف خارج الدائرة، يراقب، ينتقد، يرفع الشعارات، ويقدّم نفسه كصاحب رؤية.
كان يتحدث عن الفساد وكأنه يملك مفاتيح الخلاص. كان يَعِد الناس بأنه سيغيّر كل شيء، وأنه وحده القادر على إصلاح ما أفسده الآخرون.
لكن الحقيقة أن كثيرًا من هذا الضجيج لم يكن نابعًا من إحساس بالمسؤولية، بل من رغبة في الوصول.
ما إن يصل إلى المنصب، حتى يتغير المشهد. الصوت الذي كان يعلو في كل مناسبة يخفت فجأة. الوعود التي كانت تُقال بثقة تتحول إلى أعذار. والشعارات التي كانت تُرفع بحماس تصبح عبئًا يريد التخلص منه.
لأن السلطة تكشف الإنسان الحقيقي.
تكشف إن كان صادقًا أم ممثلًا.
تكشف إن كان يرى المنصب تكليفًا أم غنيمة.
المسؤول الذي لا يتولى مسؤوليته كما يجب لا يفشل بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب نقص الإرادة.
هو لا يريد أن يعمل، بل يريد أن يستفيد.
لا يريد أن يخدم الناس، بل أن يخدم نفسه.
هذا النوع من المسؤولين لا يرى في السلطة إلا فرصة لتوسيع نفوذه، و لتقوية مصالحه، وفرصة لتمرير صفقاته، وتعيين من يوالونه، ثم إنها فرصة لبناء شبكة تحميه لا تحمي الناس. يستخدم المنصب كأنه ملكية خاصة، لا أمانة عامة.
يتعامل مع الموارد كأنها حق شخصي، لا مال عام. ويتصرف مع الناس كأنهم تابعون، لا مواطنون. وهكذا يتحول المنصب من مسؤولية إلى مزرعة شخصية.
المفارقة أن هذا المسؤول كان أكثر الناس صخبًا قبل أن يصل.
كان يطالب بالشفافية، ثم يصبح هو أول من يخفي الحقائق.
كان يهاجم الفساد، ثم يصبح جزءًا منه.
كان يتحدث عن العدالة، ثم يمارس المحاباة.
كان يطالب الآخرين بالعمل، ثم يتقاعس هو عن أبسط واجباته.
من يرفع صوته خارج السلطة، يرفعه لأنه لا يتحمل شيئًا.
ومن يصمت داخل السلطة، يصمت لأنه لا يريد أن يتحمل شيئًا.
و المسؤول الذي لا يقوم بمهامه لا يضر نفسه فقط، بل يضر الجميع، تتعطل مصالح الناس، تتراجع الخدمات، تتسع الفجوة بين الوعود والواقع، يفقد المواطن ثقته في المؤسسات، ويصبح الفساد ثقافة لا حادثة عابرة.
أسوأ ما يفعله هذا النوع من المسؤولين أنه يجعل الناس يعتقدون أن كل مسؤول مثله، وأن الإصلاح مجرد وهم.
فالمنصب لا يصنع القائد، بل يكشفه.
والسلطة لا تفسد الإنسان، بل تفضحه.
ومن كان صادقًا قبلها سيبقى صادقًا بعدها،
ومن كان يبحث عن مصلحته سيجد في المنصب فرصته الذهبية.
وهكذا يبقى السؤال الحقيقي ليس:
ماذا سيفعل المسؤول حين يصل؟
بل:
من هو هذا المسؤول أصلًا؟