آخر تحديث :الإثنين-01 يونيو 2026-12:03ص

لوحدة اليمنية حلم تم تفسيره غلط

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 09:37 م
حسين علي باهميل


كانت الوحدة اليمنية حلماً جميلاً في وجدان اليمنيين، شمالاً وجنوباً.

حلم شعبٍ ممزق، يتحدث لغة واحدة، ويحمل تاريخاً واحداً، وتربطه الجغرافيا والدم والمصير.

لم يكن أحد يرفض فكرة التقارب بين أبناء اليمن، ولم يكن الناس يحلمون بالحروب أو الكراهية أو القهر، بل كانوا يحلمون بدولةٍ عادلة، تحترم الإنسان، وتفتح أبواب المستقبل.

لكن المشكلة لم تكن في الحلم نفسه…

بل في طريقة تفسيره وتنفيذه.

الوحدة تحولت من مشروع شراكة إلى مشروع ضم وإلحاق.

ومن فكرة بناء دولة إلى فكرة السيطرة على دولة.

ومن حلم شعبين بالتكامل إلى صراع مراكز نفوذ تبحث عن الغنيمة.

عندما قامت الوحدة عام 1990، استقبلها الناس بالفرح، لأنهم ظنوا أنها ستكون بداية عهد جديد من الحرية والديمقراطية والعدالة.

لكن ما حدث لاحقاً كشف أن القوى التي أدارت الوحدة لم تكن تمتلك عقلية الدولة، بل عقلية الغلبة.

فبدلاً من بناء مؤسسات وطنية عادلة، بدأت معركة النفوذ مبكراً، حتى انفجرت حرب 1994، التي كانت لحظة سقوط الحلم الحقيقي، وبداية فرض تفسير جديد للوحدة بالقوة.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الوحدة في نظر كثير من الجنوبيين مشروع شراكة، بل مشروع هيمنة.

تم إقصاء الكفاءات، ونهب الأرض، وتهميش الإنسان، وتحويل الجنوب إلى مساحة نفوذ للقوى المنتصرة.

وهنا بدأت الكارثة الكبرى:

بدلاً من معالجة الأخطاء، تم تقديس التجربة وكأنها منزلة من السماء، وأصبح مجرد نقد الوحدة يُعتبر خيانة.

المشكلة أن بعض السياسيين فهموا الوحدة كأنها إلغاء للطرف الآخر، بينما أي وحدة ناجحة في العالم تقوم على الاعتراف بالتنوع والشراكة والعدالة.

فالوحدة ليست احتلالاً، وليست إذابة للهويات، وليست مصادرة للحقوق.

الوحدة الحقيقية تعني أن يشعر الجميع أنهم شركاء لا تابعون.

حتى الدين نفسه لم يفرض الوحدة السياسية بشكلها القسري، بل دعا إلى العدل والكرامة وعدم الظلم.

لأن الظلم إذا دخل أي مشروع، حوّله من حلم إلى كابوس.

اليوم، بعد كل هذه الحروب والانقسامات والدماء، يجب أن نعترف بالحقيقة:

الوحدة اليمنية لم تفشل لأن فكرة الوحدة سيئة، بل لأنها فُسرت بطريقة خاطئة، وأُديرت بعقلية المنتصر والمهزوم.

كان الناس يحلمون بوطن يتسع للجميع،

لكنهم وجدوا أنفسهم داخل صراع على السلطة والثروة والنفوذ.

ولهذا، فإن أي حديث عن المستقبل لا يمكن أن ينجح إذا استمر إنكار أخطاء الماضي.

فلا يمكن إعادة بناء الثقة بالشعارات القديمة، ولا بتخوين الناس، ولا بتقديس التجارب الفاشلة.

بل بالاعتراف، والمصارحة، والبحث عن صيغة عادلة تحفظ كرامة الجميع.

ربما كان الحلم جميلاً…

لكن الذين فسروه أخطأوا القراءة،

فحوّلوا حلم الوحدة إلى معركة،

وحوّلوا الأمل إلى جرحٍ ما زال ينزف حتى اليوم.