آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-02:35ص

عدن تنتصر للإنسان قبل الكارثة

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 09:41 م
عوض عميران

في خضم المشهد اليمني المثقل بالأزمات والانهيارات المتراكمة، تبدو القرارات التي تنحاز للإنسان نادرة إلى حد يجعلها أقرب إلى الاستثناء منها إلى القاعدة. فمنذ سنوات طويلة، اعتاد اليمنيون أن تأتي التحركات الرسمية متأخرة، غالبًا بعد وقوع الكارثة، وبعد أن يكون المواطن قد دفع وحده ثمن الإهمال والعجز والفوضى. ولهذا، فإن القرار الذي أصدره محافظ العاصمة المؤقتة عدن الأستاذ عبدالرحمن شيخ، والقاضي بإخلاء وهدم عمارتي “شمسان وشولق” في مديرية المعلا بعد تقارير هندسية أكدت خطر انهيارهما، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء إداري عابر، بل باعتباره موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا يحمل دلالات أعمق من تفاصيله المباشرة. تكمن أهمية القرار في أنه لم يتوقف عند حدود إزالة الخطر، بل امتد ليشمل حماية كرامة السكان وطمأنتهم، من خلال التزام السلطة المحلية بتوفير إيجارات الأسر لمدة عام كامل مقدمًا، بواقع 800 ريال سعودي شهريًا لكل أسرة، إلى جانب التعهد بإعادة بناء العمارتين وفق معايير هندسية حديثة، وإعادة الملاك إلى شققهم بعد اكتمال المشروع. وهذه التفاصيل هي التي منحت القرار قيمته الحقيقية، لأنه تعامل مع المواطن باعتباره إنسانًا له حق في الأمان والاستقرار، لا مجرد رقم في سجلات المتضررين. في الظروف الطبيعية قد تبدو مثل هذه الإجراءات جزءًا بديهيًا من مسؤوليات الدولة، لكن في اليمن، حيث أنهكت الحرب مؤسسات البلاد واستنزفت حياة الناس، يصبح حضور هذا النوع من القرارات حدثًا استثنائيًا يلفت الانتباه. فالإنسان اليمني لم يُستنزف فقط اقتصاديًا، بل استُنزف نفسيًا ومعنويًا أيضًا، بعدما فقد على مدى سنوات طويلة شعوره بالأمان والثقة، وأصبح يعيش تحت ضغط دائم من القلق والخوف وانعدام اليقين تجاه أبسط حقوقه الأساسية. ومن هنا، فإن القيمة المعنوية للقرار ربما تفوق قيمته الإدارية والهندسية؛ لأنه بعث رسالة مختلفة إلى المجتمع، مفادها أن السلطة يمكن أن تكون حاضرة لحماية الناس قبل وقوع المأساة، وأن المسؤولية العامة ليست مجرد سلطة تنفيذية جافة، بل التزام أخلاقي تجاه حياة المواطنين وكرامتهم ومستقبلهم. لقد اعتادت المجتمعات التي تمر بحالات الانهيار والصراع على رؤية نماذج متعددة من الإهمال واللامبالاة، حتى يصبح فقدان الإنسان أمرًا اعتياديًا لا يثير الصدمة كما ينبغي. لكن القرارات التي تنتصر للحياة، مهما كانت محدودة، تملك قدرة كبيرة على ترميم الوعي الجمعي وإعادة بناء جزء من الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ولهذا فإن ما حدث في عدن لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية الخطر الهندسي الذي تم تفاديه، بل من زاوية الرسالة الإنسانية التي يحملها القرار في توقيته وطبيعته وطريقة تنفيذه. واللافت أن هذه الخطوة لم تأتِ معزولة تمامًا عن محيطها، إذ سبقتها مبادرات ومواقف قريبة في معناها من قبل محافظ أبين، وهو ما يمنح الناس شيئًا من الأمل بأن فكرة الدولة المسؤولة لم تمت بالكامل، وأن إمكانية بناء نموذج إداري أكثر قربًا من هموم الناس ما تزال ممكنة، رغم كل التعقيدات الهائلة التي تمر بها البلاد. إن المجتمعات المنهكة بالحروب لا تحتاج فقط إلى مشاريع إسمنتية أو خطابات سياسية، بل تحتاج قبل ذلك إلى استعادة الإحساس بقيمة الإنسان. تحتاج إلى مسؤول يشعر بأن حماية المواطن ليست عبئًا إداريًا، بل جوهر وظيفته ومعنى وجوده في موقع المسؤولية. وحين تظهر قرارات من هذا النوع، فإنها لا تعالج مشكلة آنية فحسب، بل تفتح نافذة صغيرة للأمل وسط مشهد طويل من الإحباط والتعب. قد لا يغيّر قرار واحد واقع اليمن المعقد، وقد لا يكون كافيًا لإنهاء معاناة الناس المتراكمة، لكنه يظل مؤشرًا مهمًا على أن الإرادة الإنسانية ما تزال قادرة على الحضور، وأن الإدارة التي تضع الإنسان أولًا تستطيع أن تصنع فارقًا حقيقيًا، حتى في أصعب الظروف. ولهذا، سيسجل تاريخ عدن، وربما تاريخ اليمن الحديث، هذا القرار باعتباره واحدًا من القرارات النادرة التي انتصرت للأخلاق قبل السياسة، وللإنسان قبل كل الحسابات الأخرى.