لا أخفي على القراء الأعزاء المخاوف التي تنتابني في أن الأوطان لا تُسلب بالسيوف من الخارج فقط، بل تُطعن من الداخل؛ وهذا ما تذوّقنا مرارته في بلداننا العربية، وتنوّعت أنماط الاستيلاء الداخلي. فالفجوات الداخلية هي الثغرات التي تقتنصها الجيوش الغازية لتسلّب البلاد بهدوء.
أتذكرُ يوماً قصيدة السفير العراقي في لبنان، الشاعر نزار قباني، حين استُشهدت زوجته العراقية "بلقيس" في تفجير إرهابي. كان قد ودّعها قبل قليل بالقرب من المقهى الذي اعتاد أن يفتتح به صباحه بفنجان قهوة على زاوية أحد شوارع بيروت. وإذ به يسمع دوي الانفجار، فأدرك أن بلقيس قد اغتالت في مكان قريب منه. حينها قال:
مصلوبين داخل النص الذي يسكنه حاكمنا
مصلوبين داخل الحزن، وأحلى ما بنا أحزاننا
المشهد نفسه يتكرر، في نمط القتل الوحشي لإنسانيتنا، سواء كان ذلك في بيروت، أم على أسوار كردفان، أم في ضاحية المنصورة بعدن، حيث اغتيل مدير مدارس النورس، وكذلك اغتيال المنسق الأممي للصندوق الاجتماعي الأسبوع الماضي. ما أعنيه أن الوهن، حين يسلب الأوطان، يتحول إلى مأساة مكتملة الأركان، في مشهد يعيد تعريف "الدولة الضعيفة".
لا يختلف المشهد في مأساته عما تصدّرته وسائل الإعلام العالمية، وعلى رأسها صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، من تقرير صادم: بأن إسرائيل أقامت قاعدة عسكرية سرية داخل الأراضي العراقية، واستمرت في تشغيلها ثلاثة أشهر كاملة دون علم الحكومة العراقية، ناهيك عن السماح بها. والأكثر إيلاماً أن اكتشاف هذه القاعدة لم يأتِ عبر أجهزة استخباراتية، ولا رقابة عسكرية، بل على يد راعٍ للغنم صادفها بالصدفة.
ما تمر به أوطاننا العربية اليوم من وهن، أشد فتكاً بانتمائنا لهويتنا العربية المعاصرة. ولعل المشهد اليوم في العراق والعديد من بلداننا العربية يتجاوز بكثير أزمة اقتصادية خانقة أو جموداً سياسياً معتاداً، إنه انهيار سيادي يتوغل في النسيج العميق للدولة.
فحين تصبح أراضي دولة عضو في الأمم المتحدة ساحة لعمليات عسكرية أجنبية سرية، وتُبنى فيها قواعد بأكملها دون أن يثير ذلك استنفاراً واحداً من أجهزتها، فإن ذلك ليس مجرد إخفاق أمني، بل تحول إلى نمط حياة سياسي جديد قوامه: "الهشاشة المداراة" و"السيادة بالتأويل".
لقد باتت حكومة العراق في تعاملها مع هذه الخروقات المتكررة تتصرف وكأنها تستسلم لقدر جغرافي لا مفر منه، بل تستبق الإعلان عن هزيمتها السيادية القادمة بعبارات مراوغة عن "الحوار المستمر" أو "احترام السيادة من قبل جميع الأطراف". وهذه السردية الهجينة لم تعد تخدع أحداً.
القاعدة الإسرائيلية ليست سوى عارض لمرض مزمن. فالدولة التي تنتهك سيادتها بهذا الشكل المتفلت، تعني أنها تحولت إلى ساحة عمليات دون علمها. القوات الأجنبية، إسرائيلية أو غيرها، تتحرك وتضرب وتنسحب من أراضيها وكأنها متنزه طبيعي.
نحن إزاء ثلاث ظواهر مدمرة:
أولاً: انعدام الردع – لا رد عسكري، ولا دبلوماسي، ولا حتى استنكار فعال، وكأن الحكومة تمنح الإذن مسبقاً بأن تكون متفرجاً على إذلالها.
ثانياً: غطاء دولي صامت – سماح ضمني من القوى الكبرى بكسر كل الخطوط الحمراء، لأن العراق لم يعد قضية رأي عام عالمي بقدر ما أصبح ملفاً لإدارة الفوضى.
وهنا أعني أن الأخطر ليس القاعدة بل ما وراءها.
التهديد الوجودي الحقيقي يكمن في أن بناء قواعد سرية داخل دول مستقلة لا يعد مجرد خرق عابر للحدود، بل يعني باختصار أن السيادة قد اختطفت من جذورها بأدوات محلية ودولية. وأن شكل الحروب قد تغير جذرياً. أعني بذلك:
· اختفاء الجبهات الواضحة، فلا حدود تفصل بين مؤخرة ومقدمة، ولا بين حرب وسلام.
· تحول الاختراق إلى صامت وممنهج، يحدث في العمق العربي هنا وهناك، كان ذلك في العراق الشقيق، أو في بلدي حيث باتت عدن وطرابلس والخرطوم عواصم مختطفة بأدوات محلية وإقليمية. وأعني بذلك أن السيادة تنتهك اليوم هنا وهناك دون ضجيج المدافع، ولا حتى تصريحات احتجاج.
· تقطير السيادة، حيث تُسحب الروح من مفهوم الدولة تدريجياً، بينما يظن الرأي العام أن الأمور ما زالت تحت السيطرة.
وإلى ذلك السياق نوجز: إن العراق والعديد من أوطاننا العربية تتلوى اليوم على أوجاع الفشل السيادي، ولم تعد بحاجة إلى مكابرة إعلامية سلطوية، بل إلى مراجعة وطنية عقائدية لمفهوم الدولة. فالسيادة لم تعد تنتهك بالقوة الغاشمة فقط، بل تُسلب بهدوء، في غفلة من الجميع، بينما تستمر الحكومات في إصدار البيانات التي تطلب من الخروقات "عدم التكرار".
إنه درس بليغ لكل من يظن أن الجغرافيا تحمي الضعفاء. فالحدود لا تصمد إذا سقطت الإرادات، والأخطر من القاعدة الإسرائيلية نفسها أنها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، ما دامت الأدوات المحلية هي من يفتح الأبواب من الداخل.