آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-02:43م

الاستقرار القلق .. بين واشنطن وبكين وطهران والقاهرة في عالم يعاد تشكيله

الخميس - 14 مايو 2026 - الساعة 08:22 م
محمد خالد الحسيني

في بكين، لم يكن اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره الصيني شي جين بينغ مجرد قمة بروتوكولية بين أكبر اقتصادين في العالم، بل بدا أشبه بمحاولة لإعادة رسم خطوط التوازن الدولي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. فالقضايا التي طُرحت على الطاولة، من إيران إلى مضيق هرمز، ومن تايوان إلى التجارة العالمية، تعكس حجم التحولات الجارية في النظام الدولي، كما تكشف عن مقاربة جديدة قد تكون في طور التشكل بين واشنطن وبكين.

اللافت في القمة أن ملف إيران لم يُطرح هذه المرة من زاوية المواجهة العسكرية فقط، بل من زاوية المصالح الاقتصادية والاستقرار العالمي، وهذا بحد ذاته تطور لافت وبالغ الأهمية.

فالتركيز الأمريكي على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي تصعيد في الخليج لن يهدد أمن الطاقة فحسب، بل سيصيب الاقتصاد العالمي بأكمله، وفي مقدمته الصين التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من المنطقة.

من هنا، بدا أن واشنطن تحاول استثمار النفوذ الصيني لدى طهران لدفع الأمور نحو التهدئة.

تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن الصين ستبذل ما في وسعها، للحفاظ على حرية الملاحة في هرمز، تحمل في طياتها رسالة واضحة .. الولايات المتحدة تراهن على المصالح الصينية للضغط على إيران ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.

لكن السؤال الأهم يبقى .. هل حدث بالفعل تقارب حقيقي بين واشنطن وبكين بشأن إيران، أم أن ما يجري لا يتجاوز إدارة مؤقتة للأزمة؟

حتى الآن، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد تفاهم سياسي مباشر، فالصين لا تريد انهيار الاستقرار في الخليج، لأنها المستفيد الأكبر من تدفق الطاقة بأسعار مستقرة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في خسارة إيران كشريك استراتيجي مهم في مشروعها الجيوسياسي والاقتصادي.

لذلك، قد يكون ما تعرضه بكين على واشنطن ليس التخلي عن إيران ولا الانحياز الكامل لها، بل المساعدة في احتواء التصعيد ومنع الوصول إلى نقطة الانفجار.

وفي المقابل، يبدو أن ترامب لا يتعامل مع الصين كما يتعامل مع خصومه الآخرين، بل ينظر إلى الصين بعقلية مختلفة عن تلك التي تعامل بها مع كثير من الحلفاء والخصوم.

فرغم خطابه الحاد سابقاً تجاه بكين، فإنه يدرك أن الصين ليست دولة يمكن إخضاعها بالضغوط التقليدية أو بالعقوبات وحدها. ولهذا، يحاول بناء علاقة شخصية وسياسية مباشرة مع شي جين بينغ، قائمة على المصالح الكبرى وتبادل التفاهمات الاستراتيجية.

حديث ترامب عن علاقة لا مثيل لها مع شي جين بينغ، ودعوته له لزيارة البيت الأبيض، ليس مجرد مجاملة دبلوماسية، بل إشارة إلى رغبة أمريكية في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع القوة الوحيدة القادرة على موازنة النفوذ الأمريكي عالمياً.

أما قبول شي جين لهذه الدعوة، إن حدث، فسيكون مؤشراً مهماً على استعداد الطرفين للانتقال من مرحلة الصراع الحاد إلى مرحلة إدارة التنافس وفق قواعد أكثر هدوءاً.

في المقابل، حملت رسائل شي جين بينغ بدورها دلالات عميقة، فحين شدد على أن تايوان تبقى القضية الأخطر في العلاقات بين البلدين، كان يضع الخط الأحمر الصيني بوضوح أمام واشنطن.

أما حديثه وطمأنته لترامب عن استمرار وبقاء قوة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة إلى جانب صعود الصين وازدهارها، فيوحي بأن بكين لا تسعى على الأقل حالياً، إلى أي صدام مع أمريكا ولا إلى إسقاط هيمنتها بالكامل، بل إلى فرض شراكة دولية جديدة تعترف بالصين كقوة كبرى لها مكانها ونفوذها ومجالها الحيوي.

وفي هذا السياق، تبدو المنطقة العربية، وخصوصاً الشرق الأوسط، أمام مرحلة قد يعاد فيها تثبيت مراكز النفوذ والقرار بطريقة مختلفة.

فمصر حالياً مع الخليج تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة، وإرساء موطىء قدم لها في أي رسم لخارطة العالم التي يعاد تشكيلها، وبناء نفوذ استراتيجي يقوم على الحفاظ على المصالح وفرض الاستقرار وحماية الأمن القومي العربي.

فمصر تدرك أن التفاهمات الكبرى بين القوى العظمى غالباً ما تنعكس مباشرة على ملفات المنطقة، من أمن الخليج إلى أسواق الطاقة، ومن الصراعات الإقليمية إلى شكل التحالفات المقبلة.

أما إيران، فهي تبدو اليوم أمام معادلة دقيقة، فمن جهة، تدرك طهران أن الصين تمثل شرياناً اقتصادياً وسياسياً مهماً لها، ومن جهة أخرى تعلم أن بكين تفضّل الاستقرار على المواجهة المفتوحة.

لذلك، قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل بمرونة أكبر مع دول الجوار ومع القوى العظمى، إذا شعرت أن الصين تميل إلى خيار التهدئة مع واشنطن حفاظاً على مصالحها الكبرى.

ومع ذلك، يبقى من المبكر الحديث عن اتفاق شامل أو تحول جذري نهائي، فالعلاقة بين الولايات المتحدة والصين لا تزال محكومة بصراع النفوذ والتنافس على قيادة العالم، لكن الجديد ربما هو إدراك الطرفين أن الانفجار الكامل لم يعد خياراً ممكناً، وأن إدارة التوازنات باتت أكثر أهمية من المغامرة بالمواجهة.

ما جرى في بكين قد لا يكون نهاية الصراع، لكنه ربما يشكل بداية مرحلة جديدة تُدار فيها الأزمات الكبرى عبر التفاهمات الهادئة لا عبر الصدام المباشر.

مرحلة تحاول فيها القوى الكبرى إعادة ترتيب العالم دون إسقاطه في الفوضى الشاملة.