آخر تحديث :الجمعة-15 مايو 2026-01:36م

قضية الإعاشة.. اختبار حقيقي لشفافية الدولة ومصداقية الأحزاب

الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 12:46 ص
عبدالله الجفري

لم تعد قضية “الإعاشة” مجرد حديث عابر في المجالس أو مادة إعلامية مؤقتة تثار ثم تنسى. بل تحولت خلال الفترة الماضية إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي الشعبي.

فقد كشف الإعلامي فتحي بن لزرق معلومات وأرقاماً ووثائق أثارت تساؤلات واسعة حول حجم الأموال التي تصرف تحت هذا البند، والجهات والأشخاص المستفيدين منه؛ في وقت يعيش فيه المواطن أوضاعاً اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة.


القضية لم تكن مرتبطة بالخلافات السياسية بقدر ما كانت مرتبطة بحقوق الناس، وبمبدأ الشفافية، وحماية المال العام، وترشيد الإنفاق في بلد يعاني من انهيار الخدمات، وتراجع العملة، وتأخر الرواتب، واتساع رقعة الفقر والجوع والمرض.


ومنذ اللحظة التي تحولت فيها القضية إلى شأن عام، كان الشارع ينتظر تحركاً مسؤولاً من مختلف القوى والهيئات الرسمية والسياسية والحقوقية.

باعتبار أن ما أُثير يمس المال العام بصورة مباشرة، ويستوجب توضيحات وإجراءات رقابية وقانونية واضحة.


لكن السؤال الذي ما يزال مطروحاً حتى اليوم: إلى أين وصلت القضية؟

وأين دور المؤسسات التي يفترض أنها تمثل الشعب أو تدافع عن حقوقه أو تمارس الرقابة باسم المواطنين؟


مجلس النواب، باعتباره الجهة الرقابية والتشريعية الأعلى، كان مطالباً بفتح ملف شفاف وواضح أمام الرأي العام: استدعاء الجهات المختصة، وتشكيل لجان تقصي حقائق، وإعلان النتائج، خاصة أن القضية لم تعد مجرد اتهامات إعلامية، بل أصبحت مرتبطة بوثائق وأرقام جرى تداولها على نطاق واسع لكن للأسف، سمعنا جعجعة ولم نر طحيناً.


كما كان ينتظر من الأحزاب السياسية أن تمارس دورها الطبيعي في حماية مصالح المواطنين، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو المصالح المشتركة، وأن تثبت للناس أنها ما زالت قادرة على تمثيل هموم الشارع، لا أن تبدو وكأنها تفضل الصمت في القضايا التي تمس امتيازات النخب السياسية والإدارية.


وفي السياق ذاته، فإن المكونات الجنوبية، ومنظمات المجتمع المدني، والحقوقيين، والنشطاء، والإعلاميين، كانوا أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى استقلالية مواقفهم، وقدرتهم على الدفاع عن مبادئ العدالة والشفافية ومكافحة الفساد دون انتقائية أو ازدواجية.


المؤسف أن القضية، رغم الضجة الكبيرة التي صاحبتها، دخلت لاحقاً في دائرة الصمت التدريجي.

وهو ما فتح الباب أمام كثير من التساؤلات والتأويلات لدى الشارع، الذي بات يشعر بأن ملفات الفساد الكبرى غالباً ما يتم احتواؤها سياسياً، أو إخمادها إعلامياً، دون الوصول إلى نتائج حقيقية أو محاسبة واضحة.


ولا يمكن إنكار أن استمرار الغموض حول هذا الملف يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية والرقابية، ويمنح الانطباع بأن منظومة المصالح أصبحت أقوى من صوت المواطن، وأن كثيراً من القوى التي ترفع شعارات الدفاع عن الشعب قد تفقد مصداقيتها عندما يتعلق الأمر بامتيازات النخب ومراكز النفوذ.


إن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تكون بروح التشهير أو تصفية الحسابات السياسية، بل من خلال مسار قانوني ومؤسسي شفاف، يبدأ بكشف الحقائق للرأي العام، ومراجعة كافة بنود الإنفاق غير الضرورية، وإخضاع المال العام للرقابة والمحاسبة؛ بما يحقق العدالة ويعيد الثقة بين المواطن والدولة.


فالناس اليوم لا تبحث عن صراعات إعلامية بقدر ما تبحث عن دولة تحترم معاناتها، ومؤسسات تشعر بحجم الألم الذي يعيشه المواطن، ونخب سياسية تقدم نموذجاً في النزاهة وتحمل المسؤولية، لا أن تتحول الامتيازات إلى ثقافة عامة يصعب الاقتراب منها أو مساءلة المستفيدين منها.


ويبقى السؤال مطروحاً: هل تتحول قضية الإعاشة إلى نقطة بداية لإصلاح حقيقي في إدارة المال العام، أم أنها ستلحق بغيرها من الملفات التي أُثيرت ثم اختفت تحت ضجيج السياسة والمصالح؟