آخر تحديث :الجمعة-15 مايو 2026-11:53م

لا اقتصاد بلا إنتاج.. ولا دولة قوية بلا حماية لمنتجها المحلي

الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 02:17 م
احمد ناصر حميدان

من أخطر الأخطاء التي وقعت فيها كثير من الدول النامية أنها تعاملت مع الاقتصاد باعتباره مجرد عملية استيراد واستهلاك، لا مشروعاً وطنياً لبناء الإنتاج وتحقيق الاكتفاء وتحريك المجتمع نحو التنمية. ومع مرور الوقت تحولت هذه الدول إلى أسواق مفتوحة لبضائع الخارج، بينما تراجعت مصانعها، وضعفت زراعتها، وارتفعت فيها معدلات البطالة والفقر والاعتماد على الآخرين.


واليمن اليوم يقف أمام هذه الحقيقة بوضوح شديد. فلا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي أو استقرار مالي أو تنمية مستدامة في ظل اقتصاد قائم على الاستيراد فقط، وعملة صعبة تُستنزف يومياً لشراء منتجات يمكن إنتاج جزء كبير منها محلياً لو توفرت الإرادة والسياسات الصحيحة.


إن حماية المنتج المحلي ليست ترفاً اقتصادياً ولا شعاراً سياسياً، بل هي ضرورة وطنية لحماية الاقتصاد نفسه. فالدول الكبرى التي تصدر منتجاتها إلى العالم لم تصل إلى ذلك عبر فتح أسواقها بلا ضوابط، بل عبر سنوات طويلة من حماية صناعاتها الوطنية ودعم مزارعيها وتشجيع مصانعها ومنحها التسهيلات والإعفاءات حتى أصبحت قادرة على المنافسة.


أما عندنا، فما يزال المنتج المحلي يواجه الإهمال وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الكهرباء وغياب التمويل وفتح الأسواق أمام سلع مستوردة تنافسه أحياناً بأسعار أقل بسبب الاحتكار أو الإغراق التجاري، في وقت كان يفترض أن تكون فيه الأولوية للمنتج الوطني لأنه يشغل العمالة ويحرك السوق الداخلي ويحافظ على دوران رأس المال داخل البلد.


إن أي مصنع يفتح أبوابه لا ينتج سلعة فقط، بل ينتج فرص عمل، ويخلق حركة نقل وتجارة وخدمات، ويخفف من البطالة، ويعزز الإيرادات العامة للدولة. وكل مزرعة تنجح في الإنتاج تقلل من فاتورة الاستيراد وتحافظ على العملة الصعبة وتمنح الاقتصاد قدراً من الاستقلالية والأمان.


المشكلة الحقيقية ليست في غياب الإمكانيات فقط، بل أحياناً في غياب الرؤية الاقتصادية الوطنية. فبعض مراكز النفوذ والمصالح التجارية الكبرى تستفيد من استمرار البلد كسوق استهلاكي مفتوح، لأن أرباح الاستيراد السريع بالنسبة لهم أهم من بناء اقتصاد منتج يحتاج إلى تخطيط وصبر واستثمار طويل الأمد.


ومن هنا فإن المسؤولية تقع اليوم على راسمي السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية في البلد. المطلوب ليس خطابات إعلامية أو شعارات عامة، بل قرارات جادة تبدأ بوضع حماية مدروسة للمنتج المحلي، وتشجيع الصناعات الوطنية، وتقديم التسهيلات للمستثمرين الحقيقيين، وتخفيض القيود على المصانع والمعامل، وربط السياسات النقدية والجمركية بهدف واضح هو بناء اقتصاد منتج لا اقتصاد استهلاكي هش.

إن الأمم لا تبنى بكثرة ما تستهلك، بل بقدرتها على الإنتاج. والدولة التي تفقد قدرتها على الإنتاج تفقد تدريجياً استقلال قرارها الاقتصادي، ثم السياسي أيضاً. ولهذا فإن معركة الاقتصاد اليوم ليست أقل أهمية من أي معركة أخرى، لأنها معركة بقاء وطن ومستقبل شعب.

احمد ناصر حميدان